القاهرة | «المجد للشيطان معبود الرياح من قال لا، في وجه من قالوا نعم» كلمات أطلقها أمل دنقل في رائعته «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» قبل أكثر من ثلاثة عقود، لكنها تظل صالحة للاستخدام في كل وقت، معبرة عن حال جموع المصريين في استفتاءاتهم واستحقاقاتهم الدستورية، التي لا يعرفون فيها كلمة «لا»؛ فالـ «نعم» حاضرة وبشدة، برغم تبدل الظروف السياسية للبلاد وتبدل الرؤساء عليها، إلا أن «نعم المصريين» حاضرة دوماً، وشيطنة المخالفين باتت كأنها عقيدة لشعب وادي النيل.


27 استفتاءً استفتي فيها المصريون، منذ 1952 انتهت جميعها بـ «نعم» على الرغم من تنوعها بداية من اختيار جمال عبد الناصر رئيساً للبلاد للمرة الاولى عام 1965، وانتهاءًً بالاستقتاء على دستور 2014 على الرغم من عدم إعلان النتيجة رسمياً. إلا أن مؤشراتها واضحة بتفوق «نعم» مروراً بالاستفتاء على الوحدة مع سوريا، واختيار الرئيس الراحل أنور السادات رئيساً للبلاد لأول مرة، ووضع دستور جديد للبلاد في عهد السادات، كذلك اختيار الرئيس الأسبق، حسني مبارك رئيساً لأول مرة والاستفتاء على حل مجلس الشعب مرتين في عهده، والتعديلات الدستورية التي أقرها المجلس العسكري الذي حكم البلاد عقب إطاحة مبارك والتي شهدت أكبر مشاركة على الاستفتاءات فيما بعد ثورة «25 يناير».
وعلى الرغم من تنويعات نتيجة الموافقة، إلا أن نسبها كانت تتفاوت، بين الموافقة التامة في عهد عبد الناصر، الذي عرف العالم فيه نسب الخمس تسعات أو 99.999 % موافقون، مقابل الواحد في الألف، الذي يمثل 32 مواطناً تبحث عنهم الأجهزة الأمنية كما تروي النكتة الساخرة، من غضب عبد الناصر عند سماعه النتيجة لعدم تمامها. وحقق دستور 2012 أقل نسبة موافقة بحصوله على 64 % تقريباً من اصوات المصريين.
اتجاهات التصويت تبدو في كثير من الأحيان، وخصوصاً في الاستحقاقات التي جرت بعد ثورة «25 يناير»، غير مفهومة، وتحتاج إلى تفسير، من تأييد الناخبين المطلق لدعوات الـ «نعم» التي أطلقها الإسلاميون في استفتاء 19 آذار 2011، التي دعا إليها المجلس العسكري حينها لتمرير التعديلات الدستورية، إلى التأييد المطلق للاستفتاء على الدستور الجديد.
الباحث في علم الاجتماع السياسي، أحمد عبد الحميد حسين، فسر في حديث لـ «الأخبار» الحالة بأن «الشعب المصري وجمهوره لا يفهمان المطالبات السياسية المرافقة للفترات الانتقالية، وما يتبعها من استقطاب سياسي وصراع عسكري مدني، وإسلامي علماني، وما يهم الجمهور هو التحول السريع للاستقرار، ووجود مساحة لـ «أكل العيش» التي هي النتيجة النهائية للأفعال السياسية كلها».
وبحسب حسين، فإن «حركة الشارع في ثورة «25يناير» التي أطاحت مبارك من أجل إيجاد بديل يحافظ على مصالح المصريين، هم أنفسهم مَن صوتوا لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارهم البديل الموجود والجاهز، سواء كان مبارك أو المجلس العسكري، أو الإخوان، أو غيرهم، اتباعاً لفكرة الناخب بضرورة وجود «كتلة صلبة» يعتمد عليها ويتحرك معها، ويقتنع بوجودها، لهذا يصوت المصريون دائماً بنعم».
ولفت حسين إلى أن «الجمهور المصري ليس استثناءً، ففي كل دول العالم، يبحث الناخبون عما يلبي احتياجاتهم الأساسية ولا يفهمون البديل الضبابي، وأي فصيل يسوق الاستقرار والتحسن المعيشي سيحصل على أصواتهم. وألقى باللوم على «المجموعات الثورية» التي بدلاً من أن تعمل على وجود «بديل تنظيمي» لجأت إلى أن تُحمل الجماهير وزر إدخالها في سرداب غير معروف المعالم تتحكم فيه أشباح الدولة القديمة بحجة عجز الشارع وقلة وعيه، يُتهم المصوتون اليوم بأنهم أجيال عجوزة حبيسة شعورياً وزمنياً في عصر مبارك والسادات، وغير قادرة على مجاراة حركة الأجيال الجديدة.
ورفض الباحث في علم الاجتماع السياسي ما وصفه بـ «كل التفسيرات السطحية» المرتبطة بأن هذا الشعب «عبيط» و«يستاهل اللي يحصل له» ومصاب بـ «ملازمة استوكهولم» ووصفه بـ «الشعب الفاشي»، مشيراً إلى أنها حجة مجموعات عجزت عن خلق بديل سياسي وثوري منظم.