على امتداد سنوات الحرب احتلّت الآثار السوريّة واجهة الأخبار العاجلة مرّات ومرّات. وعلى رغم انخفاض وتيرة المعارك أخيراً في كثير من أنحاء البلاد ما زال ملفّ الخسائر الأثريّة مفتوحاً ونزف التراث الإنساني مستمرّاً. ومن المعروف أنّ خسائر سوريا في هذا المجال تنقسم إلى بندين أساسيين: نهب وتهريب قطعٍ ولُقى أثريّة تمهيداً لبيعها عبر مافيات الآثار في أنحاء العالم، والتدمير الذي طاول كثيراً من المواقع الأثريّة الهامّة من جرّاء المعارك والأعمال الحربيّة، أو تفجيرات المجموعات المسلّحة (كما في حلب)، أو ما دمّره تنظيم «داعش». تشير إحصاءات منظمة «يونسكو» إلى أن التنظيم دمّر 300 نقطة أثريّة. أما وكالة «AAAS» (الجمعيّة الأميركيّة للتقدّم العلمي) فتشير في تقرير مدعّم بصور التقطتها الأقمار الاصطناعيّة عام 2014 (من أغزر السنوات نهباً) إلى أنّ «داعش» استولى على 26% من المساحات التي تحوي مواقع أثريّة، في مقابل سيطرة «قوات سورية الديموقراطية» على 25% من تلك المساحات. تضمّ قوائم «يونسكو» ستّة مواقع سوريّة مصنّفة ضمن «مواقع التراث العالمي». ولقد لعب هذا الثراء الأثري دوراً هامّاً في إدرار خمسة مليارات دولار سنويّاً هي عائدات السياحة في سوريا قبل الحرب، قبل أن تتحوّل إلى «ثالث أكثر القطاعات تضرّراً» في ظل الحرب. وحتى عام 2015 قُدّرت خسائر القطاع السياحي بنحو 733 مليون دولار سنويّاً، بتراجع في الإيرادات قاربت نسبته 98%. ووفقاً لوزارة السياحة فقد انخفضت أعداد السياح من قرابة خمسة ملايين في العام 2010 إلى أقل من 400 ألف عام 2015 (معظمهم قدموا بغرض السياحة الدينيّة من إيران والعراق ولبنان). وفي مقابل هذا الانحدار «ازدهرت» تجارة القطع الأثريّة المسروقة. في العام الماضي كان رئيس فرع «الإنتربول» (منظمة الشرطة الجنائية الدوليّة)، المقدم خالد الحسين، في وزارة الداخليّة السوريّة قد أكّد أن «قرابة 25 ألف قطعة أثريّة سوريّة موثقة تمت سرقتها حسب الإنتربول الدولي». ويشمل هذا الرقم القطع المرقّمة تسلسليّاً ولا يشمل القطع التي تم استخراجها بعمليّات التنقيب غير المشروع. ويوضح «الإنتربول» الدولي عبر شريط مصوّر نُشر على موقعه الرّسمي أخيراً (من تنفيذ يونسكو) أنّ 25% من الآثار تمّت سرقتها، وأنّ مُعظم المسروقات نُقلت مع أمتعة المسافرين أو تمّ تهريبها إلى دول الجوار (لبنان والأردن وتركيّا بشكل خاص)، وتحوّلت هذه الدول إلى نقاط عبور وتفاوض مع مافيات الآثار في العالم. سُجّلت أعلى المبيعات للآثار السوريّة المسروقة في أسواق لندن ونيويورك والكيان الإسرائيلي. وتقول دراسةٌ مطوّلة أعدّتها جامعة «CUNY» الأميركيّة (City University of New York) إنّ أسعار القطع المُباعة (بطريقة غير شرعيّة) راوحت بين 20 و30 ألف دولار للقطعة الواحدة. يؤكد تقرير «الإنتربول» أنّه «من الممكن مشاهدة الآثار السورية في الأسواق الشعبية أينما اتجهت في العالم»، ويناشد «الشعوب العالمية بالإبلاغ عنها بعد إعطائهم علامات استدلال مثل الرقم التسلسلي أسفل القطعة والتآكل في أطرافها بفعل الظروف المناخيّة». في السنوات الماضية خاطب «الإنتربول» الجهات الآثاريّة السورية مرّات عدّة، مطالباً إيّاها بإرسال قوائم كاملة بالمسروقات، ولم يتلقّ الجواب سوى في شهر حزيران الماضي حين أكّدت «المديرية العامة للآثار والمتاحف» أنّها «شرعت بتحضير القائمة المطلوبة»!

في سياق أحد تصريحاتها عن الآثار السوريّة تقول مديرة «يونسكو» إيرينا بوكوفا إنّ «الآثار السورية هي مصدر من مصادر كرامة كل السوريين»، ولعل السؤال الأهم اليوم: ما هي الإجراءات التي قامت بها الجهات الحكوميّة السوريّة في هذا الملف؟ وما الذي يمكن للسوريين أن يعدوا أنفسهم به سوى إعداد القائمة العتيدة؟