يؤشر الكشف عن أن المجلس الوزاري المصغر، سيبحث الأحد المقبل خطة ضخمة لتسليح الجيش الإسرائيلي ترتكز بشكل رئيسي على حماية الجبهة الداخلية من الهجمات الصاروخية، عن تقدير وضع أجرته المؤسسة الأمنية للتهديدات التي تنطوي عليها تطورات الساحة السورية والإقليمية. ويكشف حجم الخطة التي تقدّر بـ30 مليار شيكل (أكثر من 8 مليارات دولار) لمدة عشر سنوات، وصفتها تقارير إسرائيلية بأنها «أكبر خطة على الإطلاق في تاريخ الجيش والمؤسسة الأمنية»، عن النظرة الإسرائيلية لهذه التهديدات ومحدودية الخيارات الماثلة أمامها بفعل تبدّل موازين القوى الإقليمية لمصلحة محور المقاومة، وعن إدراكها للمسار الانحداري للنفوذ الأميركي، الذي كان يفترض بحسب الرهانات الإسرائيلية، أن يتمكّن من اجتثاث المسار التصاعدي لتعاظم محور المقاومة.

ليست المرة الأولى التي تعمد فيها إسرائيل إلى ورشة بناء وتطوير في مواجهة تطورات تشكّل تهديداً لأمنها القومي، فهذا ما فعلته في أعقاب حرب العام 1973، بكلفة اقتصادية شكّلت في حينه خطراً حقيقياً على الاقتصاد الإسرائيلي، إلى حين اتفاقية «كامب ديفيد» التي مكّنت إسرائيل من تقليص موازنتها الأمنية. وهو ما فعلته في أعقاب توقف الأعمال القتالية في الرابع عشر من شهر آب 2006، عندما أطلق الجيش أكثر من خطة لتطوير قدراته، وبدأ في حينه بما أطلق عليه خطة «تيفن» (2008 - 2012) ثم أعقبها في السنوات التي تلت بخطط أخرى، واستندت جميعها إلى الفشل والهزيمة التي تلقاها الجيش الإسرائيلي في مواجهة حزب الله، وطاولت أسلحة البر والبحر والجو، والجبهة الداخلية، فانطلقت مشاريع تطوير منظومات الاعتراض الصاروخي (القبة الحديدية ومقلاع داوود)، بعدما اكتشف الجيش الحقيقة الصادمة بأنه لا يملك حلولاً وردوداً يستطيع من خلالها اجتثاث التهديد الذي تمثله صواريخ حزب الله، على رغم أنه استعمل في حينه كامل قدراته النارية، البرية والجوية.

خطة المؤسسة الأمنية «من المتوقع أن تبدأ في 2019 وتستمر حتى 2028»


الآن، وبعد فشل الرهان على إسقاط الدولة السورية، تبلورت بيئة إقليمية - على حدودها الشمالية - مغايرة كلياً لما كانت تراهن عليه تل أبيب وسعت إليه الولايات المتحدة واتباعهم في المنطقة. واكتشفت المؤسسة الإسرائيلية أن مسار التطورات السورية والإقليمية ينطوي على مسار تعاظمي بمستويات التهديد العسكري والصاروخي المحدق بالأمن القومي الإسرائيلي، وتحديداً عمقها الاستراتيجي. في مقابل ذلك، رفعت إسرائيل شعار إخراج إيران وحلفائها من سوريا، ومنع تمركزهم العسكري. وتعالت الأصوات من أعلى المستويات السياسية والعسكرية، حول التهديد الصاروخي الذي يخطط له محور المقاومة عبر إنتاج «قوس شمالي مدعوم بالصواريخ الدقيقة»، (كما عبّر رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو)، يشكّل «طوقاً خانقاً حول عنق الكيان» (كما عبّر وزير الأمن أفيغدور ليبرمان).
في محاولة لاحتواء مفاعيل هذا التطور السوري الذي ستكون له تداعياته الاستراتيجية الهائلة على معادلات الصراع مع إسرائيل، طرحت المؤسسة الأمنية، كما نقلت «يديعوت أحرونوت»، خطة تسليح وتطوير «من المتوقع أن تبدأ في عام 2019 وتستمر حتى نهاية عام 2028. وتهدف إلى التمكين من تخصيص موارد على نطاق واسع لتعاظم الجيش الإسرائيلي، حماية الجبهة الداخلية بأكملها من الشمال إلى الجنوب، وتعزيز تشكيل الصواريخ التابع للجيش الإسرائيلي، وتطوير وشراء وسائل دفاعية متطورة. ومن بين جملة أمور، تهدف الخطة أيضاً إلى التمكن من تطوير أنظمة حديثة إضافة إلى الموجودة اليوم».
على رغم أن إسرائيل تتباهى بالفرص الاستراتيجية التي أنتجتها عملية التسوية، لجهة تحييد الجبهتين الجنوبية والشرقية، وأسست لتحالفات إقليمية – سعودية في مواجهة التهديدات المشتركة، وبعدما كانت ترى في تطورات الساحتين العراقية والسورية فرصة إضافية كان يُفترض أن تؤدي إلى إنتاج شرق أوسط جديد تكون فيها السيادة للقوة العسكرية الإسرائيلية، فإذا بها تجد نفسها أمام تهديدات لم تخطر على بال أي من قادتها والمنظرين الاستراتيجيين. وباتت مضطرة في ضوئها لضخ المزيد من الموازنات التي من الطبيعي أن تُثقل على الاقتصاد الإسرائيلي، وهو ما كان يؤدي إلى تجاذبات مع وزارة المالية.
تؤشر الخطة إلى قناعة عميقة بأن سياسة الاستهداف الموضعي والمتقطع الذي تنفذه ضد ما تقول إنه تمركز إيراني في سوريا لن تحقق نتائجها المؤملة، ولن تستطيع من خلالها قطع الطريق على التهديد الذي تتخوف منه، وهو ما يؤكد أهمية رهانها على الدور الروسي، مع أنه لا يجسّد طموحها، لكنه يبقى الخيار المتاح أمامها على أمل أن يساهم في تقليص أو تأجيل تعاظم قدرات محور المقاومة في وعبر الساحة السورية، الذي يشكل سداً يُقيِّد دورها الوظيفي على مستوى المنطقة.