لم يكن كثير من السوريين الذين رموا بأنفسهم في «رحلات المخاطر» بغية الوصول إلى «نعيم اللجوء» في أوروبا ليتخيلوا أنّهم سيخاطرون مجدّداً، لكن في الاتجاه المعاكس. في العام الأخير نشطت خطوط التهريب لتعيد هؤلاء من أوروبا نحو تركيا حيث يمكث بعضهم، ويحاول بعضهم العودة (تهريباً) إلى سوريا. وما زالت قوانين اللجوء في أوروبا تحظر على طالبيه زيارة بلدهم، برغم تأكيدات «المفوضيّة» للدور الإيجابي الذي يمكن زياراتٍ مماثلة أن تلعبه.

قبل شهرين وصل أيهم (اسم مستعار) إلى مدينته حلب بعد رحلة طويلة ومحفوفةٍ بالمخاطر، قطع في خلالها حدوداً دوليّة بواسطة طرق التهريب كي يصل من أوروبا إلى تركيا، قبل أن ينتحل شخصيّة أحد أقاربه كي يعبر الحدود من تركيا نحو سوريا عبر معبر «باب الهوى»، ولينطلق أخيراً نحو حلب. يوافق الشاب (بصعوبة) على مشاركتنا بعض التفاصيل مشترطاً عدم نشر كثير منها، ولا سيّما تلك التي يخشى أن تُسبب كشف شخصيّته. في عام 2014 انضمّ الرجل الأربعيني إلى قوائم اللاجئين السوريين في إحدى الدول الأوروبيّة، بعد أن وصلها بواسطة التهريب من دون أن يخطر في باله أنّه سيسلك يوماً الطريق نفسه، لكن في الاتجاه المعاكس. تختلف الأسباب التي دفعت أيهم إلى تكرار المغامرة الخطرة، لكنّه في المرّتين «لم يكن يمتلك حلولاً أخرى» كما يؤكّد لـ«الأخبار». لا تختلف الأسباب التي دفعته إلى خوض مغامرته الأولى عن ملايين السوريين: ظروف الحرب، وخراب البيت، وهواجس الاستدعاء إلى الخدمة العسكريّة بصفة «مجنّد احتياط». أمّا دوافع المغامرة الثانيّة فيمكن إيجازها في جملة واحدة تشكّل بيت القصيد «جيت أشوف أبوي قبل ما يموت».

عدُّ الأيّام
يعاني والد أيهم مرضاً عُضالاً. في العام الماضي أبلغه الأطبّاء بأنّ «كلّ شهر إضافي يعيشُه يمكن عدّه معجزة». قرّر أيهم وقتها العودة في زيارة مؤقّتة لرؤية والده في أيّامه الأخيرة، لكنّه كان مضطرّاً إلى الانتظار بضعة أشهر كي يبلغ عامه الثالث والأربعين (الأمر الذي يعني تلقائيّاً زوال احتمال استدعائه إلى الخدمة العسكريّة الاحتياطيّة وفق قانون التجنيد السوري). يقول الرّجل بلهجة حياديّة: «ما بعرف شلون قدرت أستنّى (أنتظر)، كنت أعدّ الأيّام متل المجنون وأدعي لربّي ما يوقع الفاس بالرّاس قبل ما يمشي الحال». بالتوازي مع عدّه الأيّام، كان أيهم يدرس الاحتمالات ويبحث عن الحل الأمثل للالتفاف على قوانين اللجوء التي تحظر على اللاجئين السوريين (حتى الآن) زيارة بلدهم، تحت طائلة إنهاء لجوء من يُقدم على تلك الخطوة. «والله طلعت عيوني لحتى وصلت ع أوروبا وأخدت اللجوء، وما بعرف الوضع بسوريا لوين رايح، كان بدي حل يسمح لي أجي أشوف أبوي من دون ما أخسر اللجوء». في شهر آذار الماضي تجاوز أيهم «سنّ القلق» وبات في إمكانه الانطلاق في رحلته نحو تركيا أوّلاً. لم يجد صعوبةً في الوصول إلى مهرّب والاتفاق معه، فهؤلاء كما يقول «يعثرون عليك قبل أن تعثر عليهم». يتحفّظ عن ذكر أي تفاصيل تتعلّق بالمبلغ الذي دفعه للمهرّب، أو تفاصيل الرحلة التي قطعها «ما بدي أكون سبب بضرر لحدا حتى لو كان مهرّب، يعني الزلمة قدّم لي منفعة وأخد حقها».

«انتحال شخصية»
في تركيا مكث أيهم فترةً عند ابن عمّه، كان قد أعدّ خطّتين: أساسيّة واحتياطيّة. نجاح الأولى كان متوقّفاً على صدور قرار من الحكومة التركيّة يسمح للسوريّين بزيارة بلدهم بمناسبة عيد الفطر، ويتيح العودة إلى تركيا في مدّة أقصاها منتصف شهر أيلول القادم (بعد عيد الأضحى). أما الخطّة الاحتياطيّة، فاستعدّ للجوء إليها في حال عدم صدور القرار التركي وتنطوي على خطر كبير، هي عبور الحدود نحو سوريا تهريباً «وهون ما في مزح، إذا شافونا العسكر الأتراك ممكن يقوصونا (يطلقون النار علينا) ببساطة». ابتسم القدر للرجل وصدر القرار المُنتظر، لكنّ ذلك لم يعنِ أنّ المُخاطرة انتهت، فالقرار التركي يشمل حاملي بطاقة الإقامة التركيّة «الكيمليك» فحسب. لم تُغفل خطّة أيهم هذا التفصيل، كان قد اتفق مسبقاً مع ابن عمّه على أن ينتحل شخصيّته ويستخدم بطاقته لعبور الحدود.

وجد بعض السوريين المقيمين داخل لبنان في التهريب حلّاً «مثاليّاً» للعودة

«الشبه بيناتنا كبير كتير وخاصة بالصور، بس طبعاً مع هيك كنت خايف أنكشف». مرّت الأمور في سلام وعبر الرجل مع العابرين إلى بلادهم، وحان وقت استخدام البطاقة الشخصيّة السوريّة «الهويّة» للعبور من مناطق سيطرة المسلّحين إلى مناطق سيطرة الدولة السوريّة.

قرار غير محسوم
ما زال والد أيهم على قيد الحياة حتى الآن. «قضيت معو أحلى عيد بيمرق عليّ من سنين» يقول الرجل. يُسلّم أيهم بأنّ وفاة والده قد تحصل في أي لحظة «سنّة الحياة وأمر ربنا، الله يمدّ بعمرو ويرحمنا». في خلال الفترة التي أمضاها أيهم في حلب تسلّلت الاحتمالات إلى قائمة أولوياته، وبعد أن كان يظنّ العودة إلى حياة اللجوء خياراً محسوماً، يجد نفسه اليوم حائراً. «كلما فكّرت بإني بدي سافر تهريب مرة تالتة بيوجعني قلبي، الحياة بحلب لسّة صعبة بس والله بتردّ الروح». سيكون على الرجل أن يتخّذ قراره في غضون شهر، فإمّا أن يطوي صفحة أوروبا نهائيّاً ويرسل بطاقة «الكمليك» إلى ابن عمّه، أو أن يحزم حقيبته ويغادر. «ماذا ستفعل إن بقيتَ في حلب؟» نسأله، فيقول: «بدي أرجع أشتغل بمهنتي، وبدي أتزوّج مرّة تانية (هو مُطلّق من سنوات سابقة للحرب، وليس لديه أولاد) مشان أجيب صبي أسميه ع إسم أبوي».

واحدٌ من آلاف
لا يشكّل أيهم حالة وحيدة. ثمّة مئات من السوريين على الأقل (وآلاف على الأرجح) قرّروا إنهاء «حياة اللجوء» في أوروبّا والعودة إلى بلادهم، لكنّ عودة معظمهم تأتي بغرض الإقامة الدائمة (خلافاً لأيهم). التهريب ليس طريقاً وحيداً لهؤلاء، ثمّة طرق أخرى نظاميّة، لكنّها ليست مباشرة. يوضح حسن (اسم مستعار) وهو سوري يعمل في «مكتب سفريّات» في إحدى الدّول الأوروبيّة أنّ كثيراً من السوريين عادوا بواسطة رحلات جويّة إلى طهران، ومنها إلى سوريا. صارت هذه المسألة أصعب في الفترة الأخيرة بعد أن اشترطت السلطات الإيرانيّة قبل شهرين حصول السوريين على تأشيرة مسبقة «فيزا» لدخول أراضيها، لتلغي بذلك قراراً كانت قد أصدرته في تموز 2015 يسمح للسوري بشراء تأشيرة دخول صالحة لمدة ثلاثة أشهر بمجرّد وصوله إلى مطار إيرانيّ. ثمّة عقبات أخرى يواجهها طالبو اللجوء الراغبين في السفر. على سبيل المثال، حظرت السلطات الألمانيّة السفر على طالبي اللجوء السوريين، إلا إذا كانت وجهتهم إحدى دول الاتحاد الأوروبي. تتنوّع دوافع السوريين الراغبين في مغادرة أوروبا، فتشمل عدم القدرة على الاندماج، وانعدام الراحة النفسيّة، والمخاوف من معاملة عنصريّة في بعض الدول (ولا سيّما في ظل تنامي تأثير الأحزاب اليمينيّة المطّرد)، وغير ذلك.

تهريب من لبنان
على نحو مماثل، سُجّلت حالات «تهريب معاكس» من لبنان إلى سوريا. ووجد بعض السوريين المقيمين داخل الأراضي اللبنانية في التهريب حلّاً «مثاليّاً» للعودة إلى بلادهم بفعل أسباب مختلفة. من بين تلك الأسباب تبرز مخالفة هؤلاء لشروط الإقامة في لبنان والدخول إليه، ما يُرتّب عليهم غرامات (يجدها البعض كبيرة) لتسوية أوضاعهم أمام الأمن العام اللبناني، أو يُفرض عليهم منعٌ من دخول الأراضي اللبنانيّة مستقبلاً في حال عدم الدفع. كذلك، يلجأ البعض إلى طريق التهريب خشيةً من وجود أسمائهم على لوائح المطلوبين في نقطة الحدود السوريّة. ومن المنتظر أن تؤدّي الانفراجات الموعودة في ملف «العودة الطوعيّة» إلى الحدّ من اختيار السوريين العودة تهريباً. وسألت «الأخبار» عن تطوّرات «الأزمة» بين المفوضيّة والحكومة اللبنانية، فأكّدت الناطقة باسم «مفوضيّة اللاجئين» في لبنان ليزا أبو خالد أنّ «المفوضية تعمل على الدوام مع الحكومة اللبنانية لمساعدة اللاجئين والشعب اللبناني على التعامل مع التحديات الهائلة الناتجة من الأزمة السورية». تؤكّد أبو خالد أن «مناقشاتنا ستستمرّ مع السلطات اللبنانية حول جميع المسائل المتعلقة باللاجئين، بما في ذلك عودتهم إلى سوريا في نهاية المطاف». وتضيف: «إن تقديم المساعدة والحماية للاجئين هو الولاية الأساسية للمفوضية، لذا نبذل جهدنا لمساعدة اللاجئين، في مختلف الأوضاع، على الاستجابة لاحتياجاتهم، والتخفيف من وطأة هذه الأوضاع عليهم».



اللاجئون ما زالوا ممنوعين من زيارة بلدهم
في شهر آب من عام 2017 أكّد الناطق الرسمي باسم «مفوضيّة اللاجئين» سكوت كريغ لـ«الأخبار» أنّ «تجارب المفوضيّة في سياقات أخرى (غير سوريا) لعودة اللاجئين أثبتت أنّ السماح للاجئ بزيارة بلده مؤقّتاً (الذهاب للتفقّد) هو أداة مهمة تسمح للاجئين باتخاذ قرارات مستنيرة بشأن العودة (النهائيّة)». وأكّد تقرير لـ«المفوضيّة» حينها «وجوب سماح بلدان اللجوء بالزيارات المؤقتة لسوريا، مع السماح بعودة اللاجئ إلى بلد لجوئه». مرّ عام على تلك التصريحات، لكنّ شيئاً لم يتغيّر لجهة «السماحيّة» المنشودة. وجّهت «الأخبار» سؤالاً عن هذا الأمر إلى مكاتب «المفوضيّة» في لبنان. ورغم أنّه كان خارج نطاقها الجغرافي، فقد أبدت تعاوناً جيّداً، ونقلت السؤال إلى المكتب الإقليمي في عمّان، قبل أن يحطّ في مكاتب «المفوضيّة» في تركيّا، ثمّ في أوروبّا، من دون أن نحصل على إجابات حتى الآن.