تحاول السعودية تحويل قصف البحرية اليمنية للسفينة العسكرية، «دمام»، من تهديد إلى فرصة، باتخاذها قرار وقف الصادرات النفطية السعودية عبر باب المندب، وإن كان القرار يستبطن تسليماً بمحدودية القدرة على تحقيق إنجازات في مواجهة الصمود اليمني. ثلاث سنوات ونصف سنة من عمر العدوان على اليمن تخللتها مراحل مفصلية عوّل عليها «التحالف» بقيادة السعودية كثيراً، ومن بينها وفي مقدمها الحصار المطبق على الشعب اليمني (براً وبحراً وجواً)، وجعله وسيلة من وسائل الحرب وتدفيع المدنيين أثماناً، واستخدامه ورقة ضغط بوجه «أنصار الله»، وكذلك الضغط بقوت اليمنيين ولقمة عيشهم عبر قطع رواتب موظفي الدولة منذ أكثر من سنة ونصف سنة. وقد راهن العدوان على هذه الإجراءات باعتبارها خيارات عملانية لتركيع الشعب اليمني ودفعه إلى الاستسلام، لكن النتائج جاءت على النقيض من رهاناته.

الآن، يكرر النظام السعودي الرهان بحلة جديدة هي إيقاف تصدير النفط عبر باب المندب. وهو إجراء يهدف إلى إقناع الراعي الرئيس، الأميركي خصوصاً والغرب عموماً، بأن «أنصار الله» تشكل خطراً على السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة التي تحمل أعلاماً غربية، ومن ثم جره إلى دائرة التدخل المباشر، عبر التسبب بأزمة اقتصادية يشكل ارتفاع أسعار النفط أول مظاهرها. أزمة تأمل الرياض أن تدفع الغرب إلى القيام بدور أكبر في اليمن من أجل تحقيق ما عجزت عنه المملكة هناك. ويلوح من خلف ذلك الرهان إقرار بعجز النظام السعودي عن تأمين بارجاته وناقلاته النفطية بقوته الذاتية، في اعتراف يُعدّ محرجاً للرياض كونه يكشف الضعف ويظهر قلة الحيلة. لكن العجز العسكري أمام الصمود اليمني بات أكثر تسبباً بالإحراج من كشف العيوب وإظهار قصور اليد، وبالتالي سبباً وجيهاً لطلب الغوث العلني في تحقيق الأهداف.
ويأتي اللجوء السعودي إلى خيار وقف تدفق النفط عبر باب المندب بعد ثبوت التطور الكبير في قدرات «أنصار الله» العسكرية، سواءً لجهة العامل البشري والقدرة على التحشيد، أو لجهة الوسائل القتالية التي أثبتت جدواها وفاعليتها براً وجواً وبحراً (ولم تكن إصابة سفينة دمام إلا إحدى تعبيرات ذلك التطور)، أو لجهة الانهيار المعنوي والعسكري للجيش السعودي في الحد الجنوبي. كذلك، يأتي الخيار الأخير بعد فشل الهجوم الكبير الذي شنّه «التحالف» على مدينة الحديدة، وسلسلة الضربات العسكرية النوعية التي شنتها قوات صنعاء على أهداف عسكرية ذات ثقل نوعي تابعة لـ«التحالف».
ضربات أدت بالضرورة إلى تراكم القوة النوعية للجيش واللجان الشعبية، ويشكل استمرارها وتنوعها وتوزعها الجغرافي إرباكاً لمكامن القوة والمجال الآمن لدول «التحالف»، ابتداءً من قصف عصب الاقتصاد السعودي (شركة أرامكو في العاصمة الرياض) بطائرة مسيرة (علماً أن الطائرة وصلت إلى هناك من دون أن تكشفها الردارات أو يتم التعامل معها من خلال سلاح الجو أو منظومة الدفاع الجوي، وهذا بحد ذاته إنجاز للقدرات اليمنية)، وقبله قصف المقر العام للقوات الإماراتية في منطقة البريقة في مدينة عدن (جنوب اليمن) باستخدام الطائرات المسيرة أيضاً، مروراً بعملية المخا البحرية وتفجير مقر العمليات العسكرية لـ«التحالف» (يتواجد فيه مستشارون اميركيون وبريطانيون)، وليس انتهاءً بالتطور النوعي الذي برز خلال الساعات الماضية، والمتمثل في دخول أبو ظبي في دائرة عمليات الطائرات المسيرة، باستهداف المطار الدولي فيها للمرة الأولى منذ اندلاع العدوان. وسبق الإنجازات العسكرية الجديدة تثبيت فعالية القوة الصاروخية لـ«أنصار الله» في قصف أهداف عسكرية في الرياض وبقية المدن السعودية، بما سيضطر السعودية والإمارات إلى أن تعيشا تحت رحمة فقدان الأمن في عاصمتيهما من دون أن تكون لديهما أوراق للمقايضة.
اما على المستوى السياسي، فإن كثيراً من الدول التي ساندت العدوان، ومنها بعض دول مجلس الأمن، باتت على قناعة تامة بعقم الخيار العسكري، ووصوله إلى طريق مسدود. وقد ظهر خلال الشهر الحالي، من خلال الحركة الدبلوماسية اتجاه صنعاء (وتحديداً الأوروبية)، أن العديد من الدول تعيد حساباتها تجاه «أنصار الله» وتفتح نوافذ سياسية مع الحركة. صحيح أنها لم ترقَ بعد إلى الاعتراف الرسمي، ولكنها تشكل بداية، وسيؤدي استمرارها مع مرونة ملحوظة من صنعاء إلى تطويرها، وهذا ما تسبب بـ«نقزة» في دوائر القرار الخليجي.
السؤال الأساسي في هذه المرحلة: هل سيؤدي قرار السعودية التوقف عن توريد النفط عبر باب المندب إلى تدخل غربي كما تأمل الرياض؟ يظهر حجم المخاطر الذي ينطوي عليه التدخل المباشر كبيراً جداً، يوازي إن لم يكن يزيد عن حجم المصالح المحققة بفعل تدخل من هذا النوع. لكن تظل الإجابة مرهونة بالأيام المقبلة، التي تبدو مفتوحة على مروحة واسعة من الاحتمالات.