كرّست صحيفة «لو موند» الفرنسية سلسلة مقالات، خلال الأيام الماضية، للحديث عن عمل «الموساد» في باريس، حيث «الخدمة الإسرائيلية (السريّة) نشطة للغاية». وبعنوان «وكر الجواسيس»، خصّصت الصحيفة أحد مقالاتها للحديث عن اغتيال المسؤول في حركة «حماس» محمود المبحوح، حيث تحدث الكاتب جاك فالورو عن الدور الذي لعبته باريس، كمركز لعناصر الاستخبارات، التي خططت ونفذت هذه العملية.

انطلق الأمر من غرفة في أحد الفنادق الباريسية حيث اجتمع عناصر الموساد. وبحسب فالورو، تحوّلت هذه الغرفة إلى «مقرّ عمليات»، بوجود شاشات كومبيوتر وهواتف مشفّرة: كل اهتمام الأشخاص الموجودين هناك كان منصبّاً على فندق آخر يقع على بعد 7 آلاف كيلومتر: إنه «البستان ــ روتانا في دبي، حيث يجري سيناريو جدير بفيلم تجسّس»، كما يقول فالورو. هناك، في الغرفة رقم 237، يستعد زملاؤهم في الموساد لاتخاذ التدابير. المهمة ملقاة على فريقين مؤلّفين من قاتلَين، مدعومَين من ثلاثة عملاء بينهم امرأة، مهمّتها تأمين المواقع والخدمات اللوجستية. أما في الغرفة رقم 230 المواجِهة، فقد عاد الهدف للتو من التسوّق. إنه «المسؤول عن شراء الأسلحة لحركة حماس» محمود المبحوح الذي سجّل نفسه منذ قدومه إلى دبي باسم محمود عبد الرؤوف، والذي ينتظر القتلة الضوء الأخضر لعبور الممر والدخول إلى غرفته، لحقنه بمادة قاتلة.
تمّت المهمة، تركوا فندق «البستان ــ روتانا»، عند الساعة الخامسة و46 دقيقة بتوقيت باريس. أما الجثة في الغرفة 230، فلن يجري اكتشافها إلا بعد 17 ساعة. في غضون ذلك، حتى وإن تحدثت الاستنتاجات الأولية عن موت طبيعي، بقي الشك قائماً. وبفضل شبكة المراقبة المكثّفة في البلاد، تمكّنت السلطات الإماراتية من تحديد «أعضاء الكومندوس»، وهم حوالى ثلاثين شخصاً. ولكن لم يجرِ توقيف أيّ من العملاء الإسرائيليين الذين كان لديهم الوقت الكافي للخروج من دبي.

باريس البداية... والنهاية
في إطار التحقيقات التي قامت بها سلطات دبي، تمكّن المحققون من التثبّت من أن العملاء (القتلة) اتّصلوا بمصدر واحد في النمسا. ولكن بحسب صحيفة «لو موند»، تكمن الحقيقة في مكان آخر. فوفق إحدى المعلومات غير المنشورة التي جرى الكشف عنها في الصحيفة الفرنسية، كان الجزء الأكبر من الاتصالات موجّهاً إلى وجهة نهائية في باريس، وتحديداً إلى الغرفة الشهيرة (المذكورة أعلاه). «من هذا المركز التشغيلي جرى تنسيق التنفيذ»، عقّب الكاتب. ووفقاً لخدمة مكافحة التجسّس في فرنسا، فقد جاء العملاء الذين جرى تحديد هوياتهم في دبي، إلى العاصمة، بعد إعدادهم للعملية.

سرق «الموساد» هويات مواطنين فرنسيين من أجل تقديم أربعة جوازات سفر لعملائه


ولكن بحسب ما يشير فالورو، فقد تبدّى مع الوقت أن آثار العملية لا تطال حركة «حماس» فقط، ولكن أيضاً السلطات الفرنسية. فوفق قياس المخاطر التي ينطوي عليها الموضوع، والذي قامت به السلطات الفرنسية، فـ«في نظر حماس وغيرها من المجموعات المتطرّفة، ستظهر هذه السلطات على أنها شريكة للدولة العبرية». ولكن ما تكشّف، من جهة أخرى، هو أن «الموساد» سرق هويات مواطنين فرنسيين من أجل تقديم أربعة جوازات سفر لعملائه. وقد ضبطت العدالة الفرنسية هذا التزوير، مثلها مثل نظيراتها في بريطانيا والنمسا وإيرلندا، حيث كان 22 جواز سفر مزوّراً موضع تحقّق.
ولكن على عكس الدول الأخرى، لم تدلِ فرنسا بأي تعليق علني تدين من خلاله المؤامرة التي قامت بها السلطات الإسرائيلية، إذ فضّلت باريس إرسال اثنين من ضباط الاستخبارات إلى تل أبيب: باتريك كالفار، مدير الاستخبارات في المديرية العامة للأمن الخارجي، وفريديك فو، الرقم اثنان في الإدارة المركزية للاستخبارات الداخلية. وكانت المهمة المنوطة بهما تقديم شكوى لدى رئيس «الموساد» (حينها) ميئر داغان، والقول له: «حتى ولو كنّا نعرف كل شيء، إلا أننا لا نفعل ما فعله البريطانيون والإيرلنديون. نحن نبقى أصدقاء، ولكن هذا الأمر ليس بالمجان»، وذلك بناءً على أقوال شخص مطّلع على الملف.

مدينة مفتوحة للجواسيس
تشير هذه العملية إلى أي مدى تبقى باريس «مدينة مفتوحة على الجاسوسية»، وفق فالورو، الذي يشير أيضاً إلى أنها «التقاطع المثالي لتلاقي المصادر (الاستخبارية) العاملة في المنطقة». وهنا، تكفي الإشارة إلى أن «وكالة الاستخبارات الأميركية وحدها تشغّل حوالى خمسين جاسوساً لها في باريس، إضافة إلى أكثر من مئة من المتعاونين معها».
ولكن ليس من المستغرب أن لا تتمكن السلطات من معرفة ما تقوم به هذه الاستخبارات وغيرها، ذلك أن «الأساس بالنسبة إلى الاستخبارات الفرنسية، هو محاربة الإرهاب». وفي هذا المجال، يتحدث الكاتب عن مثال حصل في عام 2014، حين وصل عدد الأعضاء المنوط بهم مراقبة الجواسيس الأميركيين على الأراضي الفرنسية، إلى أربعة أشخاص فقط، فيما كان نشاطهم محدوداً بالاستماع إلى بعض الأحاديث الهاتفية.

لـ«الموساد» مكانة خاصة
وسط كل ذلك، يشغل «الموساد» مكانة خاصة. هو يقوم في بعض الأحيان بدور الشريك، على حدّ تعبير فالورو. وفي عام 2010، أي في الوقت الذي أرسلت فيه فرنسا مندوبَيها إلى تل أبيب للتعبير عن غضبها من عملية دبي، كانت استخباراتها تتعاون مع نظيراتها الإسرائيلية للقيام بعملية دقيقة «في إطار محاربة انتشار الأسلحة الكيميائية». كان عنوان العملية «راتافيا»، أما الهدف منها، فهو «الإيقاع بشخصية سورية تعمل في البرنامج السرّي لنظام الرئيس بشار الأسد». ولكن الأمر كان قد بدأ قبل ذلك بعامين، «من خلال اعتماد نهج مطوّل مع هذه الشخصيه». وبحسب رواية «لو موند»، تمكّن محاورو الشخص المذكور من إقناعه، في النهاية، بأن عليه السفر إلى فرنسا من أجل حضور دورة تدريبية لإطلاق شركته الخاصة للاستيراد والتصدير. أما عند حضوره إلى باريس، فقد كان الفخ يتركّز على جعله يشعر بالثقة، وبالتالي التحدث عن نشاطاته. وكانت مهمة عميل «الموساد» القيام بدور رجل الأعمال والمرشد له، وبالتالي تعريفه على أشخاص يفيدونه في المجال، فيما كان هؤلاء في الحقيقة عملاء إسرائيليين. أما الاستخبارات الفرنسية، فقد تمحور دورها حول الحماية والعمليات اللوجستية. الأهم، هو أن «الموساد تمكّن من الحصول على معلومات من الدرجة الأولى»، وفق ما يخلص إليه تقرير الـ«لو موند».