بعد محاولة فاشلة العام الماضي، نجح الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في جمع أهمّ الفرقاء الليبيّين في قمة «باريس 2» في 29 أيار الماضي. تمخّض عن اللقاء وثيقة تمثّل خريطة طريق لحلّ الأزمة السياسيّة في البلاد، لكن المشاركين رفضوا توقيعها مكتفين بالموافقة الشفهية. لم يكن رفض التوقيع اعتباطيّاً، وهو يعكس غياب الثقة بين سلطتي البلاد الشرقيّة والغربيّة. من الناحية العمليّة، لم تُنفّذ حتى الآن أيّ من توافقات باريس، حيث لم تُوحّد المؤسسات المنقسمة وأهمّها «المصرف المركزيّ» و«المؤسسة الوطنيّة للنفط»، ويشهد المسار الانتخابيّ تعطيلات آخرها انقسام البرلمان حول قانون الاستفتاء على الدستور.

بدأت أزمة قانون الاستفتاء على الدستور يوم الأحد، حيث قدّم رئيس «الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدستور»، نوح عبد السيّد، استقالته من دون تقديم مبررات، وسبق ذلك جلسة البرلمان للتصويت على القانون بيوم واحد. أوّل من أمس بدا البرلمان عاجزاً عن نقاش القانون والتصويت عليه بالإيجاب أو السلب، ما أدى إلى تعليق الجلسة. ولم تختلف النتيجة أمس، بل وصل الأمر إلى نشوب عراك بالأيادي بين بعض النواب وتبادل الشتائم والتهم.
مدار الخلاف بين النواب هو المادة الثامنة من مشروع القانون التي تتحدث عن احتمال رفض الشعب لمشروع الدستور في الاستفتاء، وفي حين تشير الصيغة الأصليّة إلى إعادة المشروع للهيئة التأسيسيّة حتى تعدّله ثم تعيد طرحه مجدداً على الاستفتاء، تسعى مجموعة من النواب إلى تعديله في اتجاه خلق لجنة من خبراء القانون الدستوريّ تتولى هي تعديل النصّ في هذه الحالة. لكن ذلك الخلاف ليس الوحيد، حيث يعارض بعض النواب تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم انتخابيّة وإقليم رابع خاصّ بالمغتربين، وكذلك ما ينصّ عليه مشروع قانون الاستفتاء من ضرورة أن ينال الدستور موافقه ثلثي المستفتين في كلّ إقليم.

تتحوّل المطالب الفيدراليّة في الأزمات إلى نزعات انفصاليّة


لكن الخلاف الأكبر مرتبط بالنصاب المطلوب للتصويت على مشروع القانون نفسه، حيث يوجد رأيان يقول أحدهما بإمكان التصويت عليه بغالبيّة خمسين زائد واحد، ورأي آخر يقول بضرورة التصويت عليه بغالبيّة الثلثين، مع الإشارة إلى أنّ جلسة يوم أمس لم يحضرها سوى 104 من النواب من جملة 188 نائباً. ولحلّ هذا الإشكال تمّ إنشاء لجنة استشاريّة للفصل في هذا الخلاف، وتم تأجيل التصويت حتى تُنهي أعمالها، وهو ما لن يتمّ إلّا بعد أسبوعين.

رهانات مختلفة
قد يبدو الخلاف بين النواب الليبيّين للوهلة الأولى تقنيّاً، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى رهانات جهويّة وإثنيّة. أولى تلك الرهانات هي بين شرق البلاد وغربها، حيث تحمل كتلة واسعة من نواب الشرق (إقليم برقة كما يسمى تاريخيّاً) تطلعات فيدراليّة مبنيّة على ما يعتبرونه مظالم حلّت بالإقليم خلال فترة حكم القذافي. ويسعى الفيدراليّون إلى إعادة الوضع لما كان عليه عند استقلال البلاد، حيث كانت مدينة بنغازي عاصمة «إمارة برقة»، إلى أن غيّرها لاحقاً الملك إدريس السنوسي إلى طرابلس بعد توحيد البلاد، لكنّ الأخير أبقى حتى خلعه على لقب «ملك ليبيا وأمير برقة».
وتتحوّل المطالب الفيدراليّة في أوقات الأزمات إلى نزعات انفصاليّة، تبرز في خطاب بعض الفاعلين والنشطاء في شرق البلاد، ويُرفع أحياناً علم الإقليم القديم (ظهرت مثلاً صور لبعض توابيت القتلى التابعين لقوات حفتر في عمليّة درنة وهي مغطاة بهذا العلم).
الرهان البارز الثاني يرتبط بالأمازيغ المتركزين في أقصى غرب البلاد وقبائل التبو والطوارق المتركزة في جنوبها (إقليم فزان)، وقد انسحب ممثلو هذه الإثنيات سابقاً من لجنة صياغة مشروع الدستور احتجاجاً على ما اعتبروه إقصاء لهم. وتطالب الأقليّات بضمان حقوقها اللغويّة، لكنّها تصعّد الاحتجاج وصولاً إلى رفض اعتبار العربيّة اللغة الرسميّة الوحيدة، أو حتى تعريف ليبيا بأنّها بلد عربيّ.
في الأيام الماضية صعّد ناشطون من «الأقليّات» من نبرة خطابهم، حيث اعتبر هشام حمادي، عضو «المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا»، أنّهم لن يشاركوا في الاستفتاء على الدستور ولن يعترفوا بالدولة الليبيّة في حال اعتماد الدستور بصيغته الحاليّة. كما أصدر أحمد الأوّل، وهو «سلطان التبو»، بياناً دعا فيه «جميع أبناء (قبائل) التبو وأجسامها الشرعيّة (السياسيّة والعسكريّة) بالاصطفاف معاً للتصدي لهذا الاستفتاء العنصري الذي يريد اغتصاب أرضنا وحقوقنا».