لا تكاد تهدأ موجة اعتقالات في السعودية حتى تبدأ أخرى، وما بين الاثنتين عمليات احتجاز بالمُفرَّق تتركّز على وجوه التيارين «السروري» و«الإخواني»، بمن فيهم أولئك الذين شكّلوا يوماً ما رافداً للنظام في التنظير لـ«شرعيته» والدفاع عنها. بعد الموجة الأخيرة التي استبقت سريان قرار السماح للنساء بقيادة السيارة، مُستهدِفةً مجموعة من النشطاء والأكاديميين الذين عُرف عنهم دفاعهم عن هذا الحق، وسعيهم إلى نيله، سُجِّلت عمليات اعتقال مُتفرّقة، كانت أبرزها تلك التي طاولت الداعية البارز سفر الحوالي في الـ12 من تموز/ يوليو الجاري، والأستاذ في جامعة محمد بن سعود، عبد العزيز الفوزان، الذي تأكّد أمس اعتقاله، بحسب ما أورد حساب «معتقلي الرأي» على موقع «تويتر».

باعتقال الفوزان، يرتفع عدد المعتقلين من جامعة محمد بن سعود إلى 15 أستاذاً

ويأتي اعتقال الفوزان بعدما مُنع من السفر، وكذلك من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية تغريدات انتقد فيها ما سمّاها «الحرب الشعواء على الدين والقيم» في المملكة. ورغم أن أستاذ الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء كان يتحاشى التهجّم على الأمير الذي يقود عملية «التغريب» تلك، مفضِّلاً تركيز انتقاداته على «الليبراليين» الذين وجدوا في سياسات محمد بن سلمان فرصة سانحة لتقويض نفوذ الدعاة، إلا أن السلطات لم تتحمّل على ما يبدو «جرأة» الفوزان في إعلان رفضه التغييرات الجارية في المملكة، وامتناعه عن مسايرة خطوات ولي العهد السعودي مثلما فعلت المؤسسة الوهابية إلى الآن. ولعلّ أكثر ما استفزّ النظام هو تحريض الفوزان رفاقه في صفّ رافضي «الإصلاح الاجتماعي» على أن «لا يكونوا ظهراء للمجرمين، أو يحملهم حب المال والجاه على مداهنتهم وتزيين باطلهم». وهي التغريدة التي قال حساب «معتقلي الرأي» إنها السبب في اعتقال الفوزان، بعد تهديده من قِبل مدير جامعة محمد بن سعود، سليمان أبا الخليل، بأن «السلطات ستتعامل معه بحزم بسبب تغريدته». وأشار الحساب المذكور إلى أنه باعتقال الفوزان يرتفع عدد المعتقلين من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة إلى أكثر من 15 أستاذاً، من بينهم: محمد سعود البشر، خالد العجيمي، عبد المحسن الأحمد، عبد العزيز العبد اللطيف، وعبد اللطيف الحسين.
الأمم المتحدة: إصلاحات ابن سلمان لم تمتدّ إلى الحقوق المدنية والسياسية


ورغم أن الفوزان لا يمكن تصنيفه بالمطلق في دائرة السلفية المناوئة للوهابية، إلا أن اعتقاله يندرج على ما يبدو في إطار حملة تطهير بدأتها السلطات منذ أشهر ضد وجوه الأصولية غير القابلة للترويض، والتي يمكن أن يشكل بقاؤها طليقة خطراً على النظام. وهي حملة تجلّت آخر مفاعليها، قبل اعتقال الفوزان، في اعتقال الداعية البارز، سفر الحوالي، على خلفية كتاب جديد له حمل عنوان «المسلمون والحضارة الغربية»، تضمّن انتقادات لسياسات وليَّي عهد السعودية وأبو ظبي. وجدّدت عملية الاعتقال تلك، التي أعقبت انتشار نسخة أولية لم تُطبع بعد من كتاب الحوالي، الجدل بشأن «الحرب» التي يشنها ابن سلمان على أعلام «الصحوة»، وسط كراهية متزايدة في صفوف أنصار هؤلاء ضد ولي العهد ومؤيديه.
وينضمّ الفوزان، وقبله الحوالي، إلى مجموعة دعاة اعتُقلوا في أيلول/ سبتمبر 2017، في مقدمهم سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، ومحمد يوسف الشريف، وعلي بادحدح، على خلفية رفضهم «مباركة» سياسات ابن سلمان الداخلية و/ أو الخارجية. وعلى الضفة المقابلة، يقبع ما لا يقلّ عن 15 ناشطاً في السجون منذ منتصف أيار/ مايو الماضي، بسبب مطالبتهم بإصلاحات اجتماعية، على رأسها السماح للنساء بقيادة السيارة، في مفارقة تجلّي مجدداً حقيقة «التغيير» الذي يقوده ابن سلمان، والذي يتأكد يوماً بعد يوم أنه مُفصّل على مقاس ولي العهد حصراً، ورؤيته لـ«السعودية الجديدة». هذا «النفاق» هو ما أدانته مرة أخرى الأمم المتحدة أمس، قائلة إن «إصلاحات» الأمير الشاب «لم تمتدّ إلى مجال الحقوق المدنية والسياسية»، مضيفة أن «المعارضة وانتقاد الحكومة لا تزال غير مقبولة في البلاد. وذلك يمكن أن يفسر سبب سجن الكثير من هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء. كلهم انتقدوا سياسات الحكومة بطريقة أو بأخرى». وحثت المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان، رافينا شامداساني، من جنيف، «الحكومة السعودية على الإفراج غير المشروط عن كل المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء المحتجزين بسبب عملهم السلمي في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الحملات التي أُطلقت قبل عقود لرفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات».