(1)

يعلو صراخُ عشرات المتذمّرين في وجه موظّف إحدى شركات النقل الخاصّة على أوتوستراد العدوي في دمشق، من دون أن يكلّف الموظّف نفسه عناء ترك هاتفه الخلوي والنظر في وجوههم. إنّها الثامنة من صباح يوم خميس سوريّ عادي، ألغت فيه شركة النقل بعض رحلاتها بلا سبب واضح، ولا اكتراث بالحجوزات الهاتفيّة التي أجراها المسافرون مسبقاً. يحتجّ أحد الرجال الغاضبين مهدّداً الموظّف، بقوله: «ليش حجزتولنا من امبارح؟ شو نحن لعبة عندكم؟ إذا ما مشيت الرحلة بدي أشتكي عليكم». يرمق الموظّف الرجلَ ببرود، ينهض، ثم يصرخ بحرصٍ على أن يسمعه الجميع: «روح بلّط البحر». ينظر الرجل في وجوه المحيطين به، فلا يحظى بأي تفاعل منهم. تكتفي بعض النسوة بتمتمة جمل من قبيل «الله لا يوفقهن». على امتداد الأوتوستراد الذي تحوّل منذ سنواتٍ إلى «كاراج» تنطلق منه الحافلات إلى بقية المحافظات اصطفّت طاولاتٌ هي «مكاتب كبرى شركات النقل»، من دون أن يكون لها من صفات الشركات سوى الاسم. قبل عام كانت هذه البقعة عرضةً لقذائف الهاون القادمة من الغوطة، من دون أن تؤثّر بتجمهر المسافرين الذين اختارت لهم «محافظة دمشق» هذا «الكاراج» الناري. حتى في ساعات اشتداد وتيرة القذائف، لم تكن «الشركات» لترضى بتسيير رحلاتها في مواعيدها المعلنة مسبقاً، ولم يكن الموظفون يجدون بأساً في تأخير رحلاتهم فترات تراوح بين نصف ساعة وساعة أحياناً في سبيل ملء مزيد من المقاعد. لا جدوى من الاحتجاج، يمكنك أن تقرر عدم السفر وتغادر من دون أن يعيد لك أحد ثمن تذكرتك، أو تنتظر «الفرج»، متسائلاً في سرّك: «هل تسير الحافلة قبل وصول القذيفة التالية؟». الخيار «الأسلم» طبعاً أن تبتسم ببلاهة ورضوخٍ مثل أي مواطنٍ «مثاليّ» في كل موقف مشابه، وتُجنّب نفسك سماع العبارة إيّاها «بلّط البحر».

(2)

قبل شهور كان عدد من الطلاب «المثاليين» يصطفّ أمام نوافذ المراجعين في إحدى كليّات جامعة دمشق. تجاوزت الساعة موعد بدء الدوام الرسمي بأربعين دقيقة، لكنّ أيّاً من الموظفين والموظفات لم يُنهِ فطوره أو يفتح نافذته. حين قام أحد المراجعين بقرع إحدى النوافذ، مستعجلاً الموظفّة، هبّ بقية المراجعين «المثاليين» في وجه ذلك «الناشز» وانهالت عليه عبارات غاضبة، من مثل: «لك يا زلمة هلأ بتعصب وبتبطل تشتغل»، «يا معلم الله يرضى عليك ما تعمل مشاكل»، «يا أستاذ خلي هاليوم يمرق على خير، انتظرلك شوي شو صاير عليك؟». (ما أروع وقوف المواطنين «المثاليين» في وجه كل من يحاول إقلاق راحة موظّف حكومي ويذكره بضرورة أداء عمله!).

(3)

في هذه الأيام السوريّة «المباركة» يمكنك أن تصادف على أحد الحواجز عسكريّاً يبتسم في وجهك، أو ضابطاً يلقي دعابةً ما، هذا أمر عادي. «المعجزة» ستحصل إن حظيتَ بموظّف يبتسم في وجهك وينجز لك عملك/ عمله بلا «مِنّة» وأنت مجرّد مراجع «غير مدعوم». في هذه الأيام أنت «كل الإرهابيين»، أما بعض «أبناء الحكومة» فهم «الصمود» وهم «مفتاح النصر»، ولتتجرّأ وتحتجّ إن كنت رجلاً. لا تلزمك حصافةٌ كثيرة لتدركَ أنّ جهةً لن تكون مستعدة للاستماع إلى شكواك، وإن استمعت فلن تتخذ أي إجراء. هذه إحدى «مزايا» الزمن السوري الجديد: أنت دائماً تمتلك خياراً ذهبيّاً «بلّط البحر». انتبه جيّداً، في اللاذقية لن يكون في وسعك «تبليط البحر»، فكل أبنائها سيذكّرونك وهم يضحكون بأنّ هذا الأمر لم يعد مستحيلاً. ستسمعهم يهتفون ضاحكين: «لك الحكومة بلّطت البحر من زمان»، وقد يشير لك أحدهم نحو المرفأ الذي ابتلع واجهة مدينتهم البحريّة ليساعدك على الفهم. لم تفهم؟ لا بأس، قم بزيارة «ساحة الشيخ ضاهر» وسط اللاذقيّة لتشاهد أطفال فقرائها «يسبحون» في بركتها الحجريّة الموحلة وهم في غاية السعادة.