رغم تلقّيها، مطلع الشهر الجاري، ضربة قاسية في مديرية الدريهمي جنوب الحديدة، أوقعت كتيبة كاملة من الميليشيات المقاتِلة تحت لوائها ما بين قتيل وجريح وأسير، إلا أن أبو ظبي لم ترتدع عن محاولاتها المتواصلة إحراز تقدم على جبهة الساحل الغربي، في ظل معلومات عن تحديدها عيد الأضحى موعداً جديداً لـ«تحرير الحديدة». موعدٌ يبدو أنه يسابق التاريخ المفترض لاستئناف مشاورات السلام في جنيف السويسرية (والمقرر في 6 أيلول/ سبتمبر المقبل)، على أمل تحقيق إنجاز يمكن على أساسه التجاوب مع مساعي المبعوث الأممي، الذي لا يزال يحاول تحقيق اختراقات في الملفات الإنسانية ريثما يتبلور قرار سياسي بإنهاء الحرب.

واستأنفت القوات الموالية لـ«التحالف»، أمس، محاولاتها السيطرة على مدينة الدريهمي، مركز مديرية الدريهمي، بعد أيام من إفشال الجيش واللجان مسعًى مماثلاً لها جنوب الحديدة، انتهى إلى مقتل وجرح وأسر ما لا يقلّ عن 100 جندي. وبعدما بثّت وسائل الإعلام الإماراتية مشاهد لتعزيزات عسكرية ضخمة قادمة إلى الدريهمي، تشمل مدرعات ودبابات، بدا لافتاً أنه أضيفت إليها هذه المرة شباك حديدية كحواجز (سبق أن لجأ إليها الإسرائيليون) للتقليل من تأثير الصواريخ المضادة للدروع، بدأت تتتالى الأنباء في القنوات نفسها عن سيطرة الميليشيات المدعومة إماراتياً على مركز المديرية. لكن الهجوم، الذي تمّ رفد مُنفِّذيه بدبابات «لوكلير» الفرنسية اعتقاداً بقدرة الأخيرة على حسم المعركة، لم يسفر عن أي تقدم يُذكر لتلك الميليشيات، بحسب مصادر عسكرية في صنعاء.
تؤكد المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، أن القوات الموالية لـ«التحالف» حاولت الالتفاف على مدينة الدريهمي من الخلف (من جهة الصحراء) وفرض حصار على مركز المديرية، لكنها «لم تتقدّم شبراً واحداً داخل المدينة»، مضيفة أن «إحدى الكتائب المهاجِمة تعرّضت لاستنزاف كبير جداً» خلال المواجهات، ومُطمئِنةً إلى أن ثمة «تحضيرات مضادة مناسبة للتعامل مع التحرك الإماراتي المرصود بدقة من قبل القوات اليمنية المشتركة». تحرّك تفيد المعلومات بأن القيادة الإماراتية حدّدت عيد الأضحى ـــ المنتظر قدومه بعد حوالى عشرة أيام ـــ كسقف زمني جديد لتحقيق الهدف المرجوّ منه، وهو السيطرة على مدينة الحديدة، تماماً كما تم سابقاً تحديد عيد الفطر الماضي موعداً لـ«تحرير الحديدة» من دون أن يتحقق شيء من ذلك. وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر يمنية مطلعة، لـ«الأخبار»، أن «موعد عيد الأضحى سيلقى موعد عيد الفطر»، واصفةً الهجوم الإماراتي المتجدد على الدريهمي بأنه «مؤشر إلى حجم التخبط والعناد من جهة، ودليل على نجاح القوات اليمنية في تشتيت المهاجمين واستنزافهم وإفشال خططهم التكتيكية، من جهة أخرى»، إذ وبعدما كانوا يحاولون التقدم في المناطق الداخلية للمحافظة، وتحديداً في مديريتي التحيتا وزبيد، تحوّلوا إلى مديرية الدريهمي، حيث إمكانية بلوغ إنجاز تبدو ضئيلة في ظل الحصار المفروض عليهم أصلاً، وانقطاع خطوط إمدادهم من جنوب الطريق الساحلي إلى شماله.
هذا الإصرار على ضرب الرأس بالجدار ينبئ باستماتة قيادة «التحالف» في تبديل المعطيات على جبهة الحديدة (التي أضحت بالنسبة إلى السعودية والإمارات أمّ المعارك بعدما كانت هذه الصفة لصنعاء)، قبيل حلول الموعد المفترض لاستئناف مشاورات السلام في الأسبوع الأول من الشهر المقبل. ورغم أن تلك المشاورات لا يُرجى منها الكثير، حتى من وجهة نظر مارتن غريفيث، وفق ما أوحت به آخر تصريحاته الصحافية، إلا أن انطلاق مندوب المنظمة الدولية من الملفات الإنسانية لتحقيق اختراق في جدار الأزمة، قد يشكّل عاملاً محرجاً لـ«التحالف»، لناحية صعوبة إطلاق عملية عسكرية كبيرة في وقت يلتقي فيه اليمنيون للتفاوض على أوراق الحرب. أوراق يشكّل ملف المعتقلين أبرزها، بحسب ما تفيد به جميع المعطيات المتراكمة منذ بدء الجولات الأخيرة لغريفيث، وحتى أحدث التصريحات الصادرة عن حكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي.
وقال وزير الخارجية في حكومة هادي، خالد اليماني، أمس، «(إننا) نتطلع، إذا ذهبنا إلى جنيف، أن نبحث قضية الأسرى، وأن نطلق سراحهم جميعاً»، مشدداً على أن ملف الأسرى «قضية إنسانية ينبغي أن تُحلّ»، مشيراً إلى أنه «طال أمد النظر فيها». وتستبطن تصريحات اليماني استعداداً لحلحلة ملفات لطالما شكّل «التحالف» عائقاً دون فكفكة عقدها بما يمهّد للانتقال إلى القضايا الأمنية والسياسية. لكن مع ذلك، وفي ظل عدم وجود قرار مركزي (لدى السعودية والإمارات وداعمِيهما الغربيين) بإنهاء الحرب، تظلّ تحركات غريفيث وما يمكن أن ينجم عنها دون المطلوب لإنهاء أزمة بهذا الحجم، فضلاً عن أنها ستستغرق وقتاً طويلاً لن يدفع ثمنه إلا الواقعون تحت الحصار. ولعلّ استشعار المبعوث الأممي غياب الإرادة السياسية راهناً هو ما يدفعه إلى تمضية الوقت بإجراءات تحمل طابع الترف، كاللقاء الذي عقده الأسبوع الماضي في لندن مع شخصيات من خارج دائرة الصراع.