تهديد وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بالحرب المقبلة ضد قطاع غزة، والتأكيد أنها مقبلة لا محالة، لا تعني بالضرورة حتمية الحرب، بل ربما دال في سياق جولات التصعيد المتكررة ونتائجها على مأزق خيارات إسرائيلية، على رغم الاقتدار العسكري المادي في مواجهة الفلسطينيين. في ذلك، من المفيد الإشارة إلى الآتي:

يأتي تهديد ليبرمان في مرحلة تهدئة تفصل التصعيد الأخير مع قطاع غزة، عن التصعيد المقبل. ويعد جزءاً لا يتجزأ من مقدمات تصريحات وأفعال تخدم أهداف ردعية في مواجهة الفصائل، علّها تسهم في منع التصعيد المقبل أو تأجيله فترة زمنية طويلة.
مع ذلك يعبّر هذا التهديد عن منحيين إضافيين: منحى يرتبط بالسجلات الداخلية والمزايدات بين أقطاب المؤسسة السياسية في تل أبيب، حيث ليبرمان كوزير أمن ومنافس سياسي، هو الشخصية الأكثر استهدافاً من قبل الشخصيات الأخرى المنافسة على السلطة، على خلفية أنه المسؤول الأول عن التراجع أمام الفصائل الفلسطينية في جولات التصعيد الأخيرة.
في الأيام الماضية وصلت المزايدات إلى حد منفلت، وجهت خلالها اتهامات لليبرمان بالتخاذل ونكث الوعود والتراجع عن ثوابته. وهو ما دفعه للتوجه إلى مستوطنات غلاف غزة وإطلاق التهديدات منها، ومن بينها التأكيد على الحرب، ضمن تعبير يعد تفاعلاً مع طلبات يمينية: المسألة ليست إن كانت الحرب ستقع، بل متى ستقع.
مع ذلك التأكيد يأتي في سياق ترحيل موعد الحرب إلى أجل غير معلوم. وهذا هو المنحى الثاني في تهديداته، ولعله أهم وأصدق ما فيها من مؤشرات دالة على الآتي، من وجهة النظر الإسرائيلية.
إن جرى التعامل مع ترحيل موعد الحرب، أي المواجهة الشاملة مع القطاع، باعتبارها تقديراً إسرائيلياً صادراً عن واحد من ثلاث شخصيات مقررة في تل أبيب، إلى جانب رئيس الوزراء ورئيس الأركان، حول الحرب وإمكان ترحيلها زمانياً بوصفها إمكانية مع لا يقين حولها، فلعلها إشارة إضافية وإن بمعرض التهديد على التردد الإسرائيلي وفقدان الخيارات الفعلية، في موازاة ترسخ تهديد غزة وتناميه.
إلى جانب ذلك، برز في سياق تهديدات ليبرمان تسريبات وردت في اليومين الماضيين في الإعلام العبري، منقولة عن محافل في المؤسسة الأمنية في تل أبيب، حذّرت من قرار قد تلجأ إليه إسرائيل في حال لم ترتدع حركة حماس عن التموضع الندي في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وذلك من خلال استئناف اغتيال المسؤولين الفلسطينيين في قطاع غزة. اللافت في التهديد الجديد القديم أنه عرض من قبل مسؤولين أمنيين إسرائيليين، على أنه سلاح أنجع من الحرب نفسها، في تطويع الإرادة الفلسطينية.
مع ذلك لم تقدم هذه التسريبات والحل الذي تتضمنه، أي استئناف الاغتيالات، كيفية الفصل بين عملية اغتيال لمسؤول فلسطيني وبين منع الرد على العملية نفسها ومن ثم حتمية التدحرج إلى مواجهة، هي في حد أدنى مواجهة شبيهة بما حدث في الجولات الأخيرة مع إمكان توسعها إلى مواجهة واسعة، وهي النقطة التي لا تريد تل أبيب الوصول إليها.
الواضح أن التهديد المسرب باللجوء إلى الاغتيالات شبيه من حيث الهدف بالتهديد بالحرب نفسها كما وردت على لسان ليبرمان، خصوصاً أنه يأتي مصحوباً بتساؤلات من قبل الخبراء والمعلقين الإسرائيليين عن اليوم الذي يلي الاغتيالات، والأهداف التي يمكن تحقيقها فعلياً جراء هذه السياسة، كان متعذراً تحقيقها من خلال الحرب نفسها، المقرر الابتعاد عنها.
على ذلك تأتي التعليقات الإسرائيلية المحذرة من فقدان الخيارات وضرورة عدم الاكتفاء بالتهديدات من دون أفعال في مواجهة قطاع غزة.
في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يرد انتقاد كبير جداً مبني على حسرة حول أداء تل أبيب الرسمي وقد يكون معبّراً عن تموضع تل أبيب الفعلي وخباراتها مقابل غزة. يرد في الصحيفة أن إسرائيل أخطأت في معالجة تهديد «حماس» إلى الحد الذي باتت فيه الحركة هي التي تملي جدول الأعمال ومجريات الأمور بين الجانبين. وتدعو الصحيفة إلى ما تسميه اتفاقاً منقوصاً مع غزة طالما إسرائيل غير قادرة على إيجاد أو الدفع باتجاه بديل أفضل.
الواقع أن إسرائيل أمام معضلة خيارات، فإما أن ترضخ لمطالب «حماس» وتدفع ثمناً باهظاً في مبادلة الأسرى بأسرى، مع ترتيبات فك حصار لقاء هدوء أمني طويل الأمد، وإما أن يجري العمل على تجزئة الصفقة ربطاً برؤية إسرائيل أن ثمن الأسرى الإسرائيليين المطلوب دفعه كبير جداً.
هذا هو الخلاف في المؤسسة الإسرائيلية، الذي يزيد ويترسخ أكثر ربطاً بأجواء تقديم موعد الانتخابات للكنيست الذي يلوح في الأفق السياسي في تل أبيب. وهو واقع خلافي يدفع أكثر إلى تجزئة الصفقة بلا أسرى. الصراع بين الاتفاق الكامل والاتفاق المنقوص، يتداخل مع جملة اعتبارات داخلية وأمنية وسياسية، وكذلك مصالح منها متطابق ويتعارض لأطراف إقليميين آخرين في الداخل بما يتعلق بالسلطة الفلسطينية ودورها اللاحق ما بعد الاتفاق وإمكاناتها الفعلية.
في ذلك وفي حد أدنى إلى الآن، يشهد لقيادة الفصائل في غزة، وتحديداً أجنحتها العسكرية، القراءة الجيدة للإمكانات والظروف وتموضع الأعداء، ما أتاح لها التوصل إلى القرارات الأكثر حكمة في مواجهة التحديات ودفع الإسرائيلي إلى الانكشاف ومن ثم التراجع. إلا أن التحدي في النتيجة النهائية، وضرورة المثابرة حتى مع تضحيات قد تكون مرتقبة، مع أو من دون جولة تصعيد أو جولات، قبل التوصل إلى تراجع إسرائيلي نهائي، مع نتائج ملموسة.