لم تكد تمرّ أيام قليلة على المجزرة التي ارتكبها في محافظة صعدة، والتي راح ضحيتها 51 مدنياً، معظمهم أطفال بحسب آخر إحصائية لـ«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» أُعلِنت أمس، حتى أقدم «التحالف» على ارتكاب مجزرة جديدة في مديرية الدريهمي جنوب مدينة الحديدة، حيث تحاول القوات الموالية له السيطرة على مركز المديرية منذ الأحد الفائت. محاولات استُؤنفت خلال الساعات الماضية تحت غطاء ناري غير مسبوق، من دون أن تسفر عن تقدم ذي أهمية للميليشيات المدعومة إماراتياً، والتي لا تزال ــــ على المقلب الجنوبي ــــ تخوض «حرب وجود» ضد الفصائل المناوئة لها في مدينة تعز، في مشهدية لا تبدو محاولة الاغتيال التي استهدفت محافظ تعز في مدينة عدن معزولة منها.

وقُتل أمس ما لا يقلّ عن 13 مدنياً، فيما أصيب 24 آخرون بجروح، في غارات وُصِفت بـ«الهستيرية» استهدفت منازل المواطنين ومحالّهم التجارية في مركز مديرية الدريهمي، بحسب ما أفادت به وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ. وناشدت السلطة المحلية في محافظة الحديدة، المنظمات الدولية والإنسانية، التدخل العاجل لإجلاء القتلى والجرحى، لافتة إلى أن قوات «التحالف» منعت طواقم الإسعاف من الوصول إلى المصابين، واستهدفت كل من يحاول إغاثتهم. ومن بين تلك الطواقم «الصليب الأحمر» الذي ظلّ حتى ساعة متأخرة من يوم الثلاثاء يحاول الدخول إلى الدريهمي، لكن غرفة عمليات «التحالف» أصرّت على عدم منحه تصريحاً بذلك.
وجاءت عمليات القصف المكثف على الدريهمي، والتي شاركت فيها المدافع والبوارج إلى جانب الطيران، في محاولة لدعم الميليشيات المدعومة إماراتياً على الأرض، بعدما كانت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية قد ادّعت تمكّن تلك الميليشيات من السيطرة على مديرية الدريهمي بأكملها، بما فيها المركز. وعاودت القوات الموالية لـ«التحالف»، أمس، مساعيها للتقدم داخل المدينة من الاتجاهين الجنوبي والشرقي، لكنها قوبِلت بمقاومة عنيفة من قِبَل مقاتلي الجيش واللجان الشعبية، الذين تمكنوا من صدّ الهجوم المتجدد، رغم امتداد المعارك إلى بعض أحياء المركز. وأكد مصدر عسكري في صنعاء، لوكالة «سبأ» الرسمية التابعة لحكومة الإنقاذ»، أن «العدو فشل في التقدم بمحيط مدينة الدريهمي، كما فشل في إجلاء قتلاه وجرحاه من ميدان العمليات الحربية». وأفاد المصدر بأن عمليات الجيش واللجان على هذه الجبهة «كبّدت العدو منذ صباح اليوم (أمس) 11 قتيلاً و51 جريحاً»، ليرتفع بذلك عدد قتلى القوات الموالية لـ«التحالف» خلال الـ 72 ساعة الماضية إلى 180، وجرحاها إلى 136، بحسب المصدر نفسه، الذي تحدث عن وصول 107 جثث من الدريهمي إلى ثلاجات مستشفيات عدن، و29 جثة إلى مستشفى الخوخة، و7 إلى ثلاجات مستشفى المخا.

تواصلت أمس المواجهات العنيفة في تعز بين «الإصلاحيين» و«السلفيين»


على خط مواز، برز تطور لافت في مدينة عدن جنوب اليمن، حيث استهدفت محاولة اغتيال بسيارة مفخّخة محافظ تعز، المحسوب على الإمارات، أمين محمود، في حي إنماء وسط المدينة. ولم يسفر التفجير عن إصابة محمود بأذى، لكنه أدى إلى سقوط جرحى من مرافقيه، وُصفت حالة بعضهم بالخطيرة. وتنبع أهمية هذه الحادثة، فضلاً عن دلالاتها الأمنية، من توقيتها، إذ إنها تأتي تزامناً مع معارك عنيفة تشهدها مدينة تعز بين الميليشيات السلفية الموالية لأبو ظبي، والتشكيلات التابعة لحزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون). في هذا الإطار، تتفاوت القراءات لواقعة محاولة الاغتيال، بين من يراها تدبيراً من قِبَل نائب رئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الوزير السلفي المقال هاني بن بريك، بهدف تحميل «الإصلاحيين» تبعاتها، وبين من يعتبرها رسالة تهديد من قبل «الإصلاح» إلى المحافظ، الذي يتولّى عملية التنسيق لإيقاف المواجهات المحتدمة في الأحياء الشرقية من تعز، والتي أدّت حتى الآن إلى قضم أجزاء كبيرة من رقعة نفوذ «كتائب أبو العباس» السلفية المدعومة إماراتياً.
ومهما تكن حقيقة هذا التطور الأمني، فهو يؤكد مدى تعقّد الوضع في مدينة تعز، التي تواصلت فيها أمس المعارك الشرسة بمختلف أنواع الأسلحة بين مقاتلي «أبو العباس» وعناصر «اللواء 22 ميكا» و«قيادة المحور» المحسوبة على «الإصلاح». وبحسب مصادر محلية من المدينة، فإن «الإصلاحيين» واصلوا تقدمهم نحو الجحملية التي تُعدّ المعقل الرئيس للكتائب السلفية، حيث سيطروا على محيط مدرسة عقبة بن نافع، وقسم شرطة الجحملية، ومواقع أخرى. وجاء تجدد المواجهات بعدما بعث المحافظ، بناءً على توجيهات من الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، برقية إلى المعنيين، يطالبهم فيها بوقف إطلاق النار، والانسحاب من المربعات المستحدثة، لكن أياً من الطرفين لم يستجب لتلك الدعوات، في ظل تواصل التراشق الكلامي، الذي تمثلت آخر حلقاته في بيان صادر عن «قيادة محور تعز»، وصف «كتائب أبو العباس» بـ«النبتة الخبيثة» التي يجب اجتثاثها، لتردّ الكتائب السلفية بتحميل «العصابات الميليشيوية التابعة لحزب الإصلاح» المسؤولية عن الأحداث. أحداث تنبئ سيرورتها بأن «الإصلاحيين» يخوضون في تعز معركة «كسر عظم» ضد السلفيين، في ظل مؤشرات قطرية ــــ عُمانية دالّة، تجلّى أحدثها في استقبال مسقط قرابة 150 من جرحى ما تُسمّى «المقاومة الشعبية» التي يقودها «الإصلاحي» (المحسوب على الجناح القطري ــــ التركي) حمود المخلافي، والذي ظهر في عاصمة السلطنة مستقبِلاً الجرحى تمهيداً لنقلهم إلى الهند للعلاج.



حكومة هادي: محادثات جنيف «صعبة للغاية»


أعلنت حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، أمس، أنها لم تتسلّم بعد دعوة إلى محادثات السلام المنتظر انعقادها في جنيف مطلع الشهر المقبل. وقال سفير حكومة هادي لدى الأمم المتحدة، علي مجاور: «(إننا) ننتظر الدعوة»، وكذلك «محتوى المشاورات وآليتها». وأشار إلى أنه منذ إعلان المبعوث الأممي مارتن غريفيث (الصورة) عن الجولة الجديدة من المحادثات، لم تقدم المنظمة الدولية أي تفاصيل حول القضايا التي ستُبحَث، معرباً عن اعتقاده بأن «هذه المشاورات ستكون صعبة للغاية... لا نعتقد أن الحوثيين سيقدمون تنازلات». وتتناقض تصريحات مجاور مع أخرى كان قد أدلى بها وزير الخارجية في حكومة هادي، خالد اليماني، الأحد الماضي، لفت فيها إلى «(أننا) نتطلع، إذا ذهبنا إلى جنيف، أن نبحث قضية الأسرى، وأن نطلق سراحهم جميعاً». وفي هذا الإطار، اتهمت «اللجنة الوطنية للأسرى» في صنعاء، أمس، «التحالف» بإفشال عشر عمليات تبادل للأسرى، كان يُفترض أن تحصل خلال شهر رمضان الماضي.