مع توجيه الأمم المتحدة دعوات رسمية إلى الأطراف اليمنيين لحضور المحادثات المزمع عقدها في جنيف السويسرية في السادس من أيلول/ سبتمبر المقبل، يكون العدّ العكسي لهذه الجولة التفاوضية الجديدة قد انطلق، من دون أن يبدأ معه دوران عدّاد التفاؤل بإمكان تحقّق خروقات سياسية جادة في أفق الأزمة. تشاؤم عزّزته التصريحات الأميركية التي استبقت انعقاد المشاورات بالتقليل من أهمية ما يمكن أن تسفر عنه، وحصرها في إطار «الملفات الإنسانية».

وأكدت الناطقة باسم مكتب الأمم المتحدة في جنيف، أليساندرا فيلوتشي، أمس، أن المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، أرسل دعوات إلى حركة «أنصار الله» وحكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، من أجل حضور المحادثات. وكان نائب الناطق باسم الأمين العام للمنظمة الدولية، فرحان حق، أعلن، أول من أمس، أن غريفيث في صدد إرسال تلك الدعوات «في غضون أيام». ولفت حق إلى أن المبعوث الأممي «في حوار متواصل مع جميع الأطراف»، مشدداً على ضرورة «وقف التصعيد والاستفزازات». وأشار إلى أن الجولة الجديدة من التفاوض تنعقد «بغية التوصل إلى حل سلمي للأزمة»، على رغم تأكيده عدم حدوث أي تقدم في هذا المسار.
نفي يعزّز الأجواء التشاؤمية المسيطرة على المحادثات قبل انعقادها، والتي أشاعها كذلك السفير الأميركي لدى اليمن، ماثيو تولر، بتوقعه قبل يومين «نتائج متواضعة» لمشاورات جنيف، قائلاً إنه «يمكن لهذه الجولة من المشاورات أن تخرج بنتائج إيجابية متواضعة في ما يتعلق بالتخفيف من المعاناة الإنسانية التي خلّفتها الحرب على اليمنيين، من قبيل إطلاق الأسرى والمعتقلين من الطرفين، وفتح المطارات أمام الرحلات التجارية والمدنية، وفي مقدمها مطار صنعاء، وبناء الثقة بين الطرفين، واتخاذ إجراءات مع البنك المركزي لتثبيت سعر العملة اليمنية». إلا أن هذه الإجراءات، على تواضعها مقارنة بالحل السياسي المنشود في البلاد، يصعب إرساؤها من دون موافقة سعودية - إماراتية، وحتماً أميركية، لا تزال غير منظورة إلى الآن.

انسحبت الكتائب السلفية الموالية للإمارات من مواقع هامة في تعز


وهو ما أكده الناطق باسم حركة «أنصار الله»، محمد عبد السلام، بتوصيفه، في تصريحات صحافية، ما ستشهده جنيف على أنه «عبارة عن تحديث أفكار، وليس مفاوضات تفضي إلى حلول جادة». ومع ذلك، تأخذ «أنصار الله» المشاورات التي ستنعقد في المدينة السويسرية على محمل الجد، محاوِلة تعزيز موقع الوفد التفاوضي الذي سيتوجّه إليها. ومن هنا، كان إعلان عبد السلام أن هذا الوفد لن يكون حزبياً كما في محادثات جنيف وبيل والكويت السابقة، بل سيكون مُمثلاً لحكومة الإنقاذ والمجلس السياسي الأعلى بكل ما يضمّانه من مكونات.
صلابة يقابلها تضعضع وتخبط على الجبهة الموالية لـ«التحالف»، حيث تتعالى أصوات الفصائل والميليشيات والمكوّنات التي قاتلت إلى جانب السعودية والإمارات لإشراكها في مفاوضات جنيف، في حين تؤكد الأمم المتحدة أن الطرفين المدعوّين إلى المفاوضات هما فقط «أنصار الله» والحكومة الموالية للرياض. وكان آخر التصريحات المعترِضة ما صدر، أول من أمس، عن «المجلس الانتقالي الجنوبي» الموالي لأبو ظبي، الذي رفض أي محاولة «لتجاوز قضية شعب الجنوب، وممثله المجلس الانتقالي، في أي مفاوضات مقبلة». وهو ما نفى إمكانيته السفير الأميركي بالمطلق، قائلاً إن «هناك أطرافاً، وفي مقدمها حزب المؤتمر الشعبي العام والمجلس الانتقالي، أبدت إصراراً على تمثيلها في شكل مستقل، إلا أن ذلك الأمر متعذر، فتمثيل أي من هذين الطرفين في شكل مستقل سيتيح المجال لبقية الأطراف لأن تطالب بالحصول على تمثيل مستقل هي الأخرى».
وأياً تكن خلفيات التصريح الأميركي، فهي تُعدّ بمثابة ضربة سياسية للتشكيلات التي وضعت الإمارات ثقلها في عملية تأهيلها، وراهنت على تصديرها. ضربة وازتها أمس أخرى من نوع عسكري - أمني، تمثلت في انسحاب «كتائب أبو العباس» السلفية الموالية لأبو ظبي من مواقع هامة كانت تسيطر عليها في مدينة تعز، بينها قلعة القاهرة ومبنى الأمن السياسي. وتسلّمت تلك المواقع القوات المحسوبة على حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون) والتي خاضت خلال الأيام الماضية معارك ضارية ضد «كتائب أبو العباس»، أسفرت عن سيطرتها على مساحة واسعة من رقعة نفوذ السلفيين.