أثار جزء من الإعلام الجزائريّ الجدل بسبب تناوله المُضلّل لحركة الاحتجاج التي انطلقت في مدينة ورقلة وقادت إلى إلغاء حفلات وتظاهرات ثقافيّة، حيث قلّلت مقالات تتبنى وجهة نظر إسلاموفوبيّة وتسعى إلى إثارة هستيريا الرأي العام، من البعد الاجتماعيّ الأساسيّ لتلك الحركات الاحتجاجيّة.

بدأت القصّة يوم 26 تموز/ جويلية الأخير في ورقلة، وهي مدينة تقع جنوب شرق الجزائر، بتحرّك بعض السكان الذين يعانون حرماناً شديداً يمسّ عمليّاً جميع أوجه الرفاه الاجتماعيّ. طالب المحتجّون السلطات بتلبية مطالبهم من خلال منع انعقاد حفل لموسيقى الراي، معتبرين أنّ الدعم الموجّه للفنّ والثقافة من الأموال العموميّة يمثّل نفقات تذهب لمصلحة كماليات في سياق يحرمون فيه من الماء والكهرباء. وقد أثارت إقامة صلاة جماعيّة في الموقع الذي كان يفترض أن يغني فيه الفنان قادر الجابوني حنق من نصّبوا أنفسهم حماة للأخلاق العلمانيّة الذين أدانوا الخطر الإسلامويّ.
تكرّر المشهد في تبسّة، سيدي بلعباس، وفي مدن أخرى، على خلفيّة مطالب اجتماعيّة للسكان المهمّشين. وعوض مساءلة الأسباب العميقة لهذه التحركات ذات البعد الاجتماعيّ الجليّ، لم يتوجّه الاهتمام إلّا صوب الصلوات في الشارع. وقد تجنّبت المؤامرة «الإسلامويّة» التي ألهبتها الافتتاحيات والمقالات، القائمة على الإثارة، والساخطة على حركة اجتماعيّة استهدفت الفنون والثقافة، البعد الاجتماعيّ لاحتجاج ضدّ رداءة أوضاع العيش ونقص الخدمات الاجتماعيّة الأساسيّة.
وقد عمدت مديرة جريدة «الفجر»، حدة حزام، الى ازدراء المحتجين ووصمهم بأنّهم «متعصّبون دينيّون، معادون للفنون والثقافة... أصحاب سلوك همجيّ». وفي تجاوز لجميع المعايير، نشرت جريدة «لو ماتان دالجيري» (صباح الجزائر) مقالاً بعنوان «من ورقلة إلى تبسّة: الإسلامويّون يستعيدون السيطرة» يحذّر الرأي العام من أنّ «الثقافة في خطر في الجزائر»، بناء على حجج مضّللة.
يندّد المقال بلا مواربة بطيف الإسلامويّة الذي يُوجّه الاحتجاجات، حيث يقول: «يثير متآمرو الظلّ أسباباً تافهة للإلغاء؛ يحتاج شباب ورقلة إلى الوظائف، وليس إلى حفل راي. يمكن تفهّم ذلك، لكن لماذا تُنظّم صلاة جماعيّة في هذه الحالة؟ من الواضح أنّ مدبّري الإلغاء يحملون ألواناً أيديولوجيّة: الإسلامويّة».
مرّة أخرى، وفي مقال بعنوان «قادر الجابوني هو المشكل، الفيس (الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ) هي الحلّ»، سكب الكاتب كمال داود، المسكون بهواجس إسلامويّة، ضغينته الإسلاموفوبيّة وأظهر ازدراءً طبقيّاً لا يضاهى. بالنسبة إلى داود، محتجو ورقلة هم «آلهة صغيرة نخافها»، نالوا إلغاء الحفل بواسطة «شعارات العباسي (أي عباسي مدني زعيم الفيس)» ويسمح لهم الإلغاء بـ«الجهاد، بدخول الجنّة، بإظهار شجاعة الملتزمين، بأن يصيروا (مقاومين)». يقصي فكر كمال داود المحدود والتابع حقيقة أنّ السكان المحرومين من الماء والكهرباء والذين يعيشون إحساساً متنامياً بالهشاشة الاجتماعيّة لا يحملون تصوّره نفسه للأولويّات.
من الصائب أنّ التمويلات المرصودة للثقافة لا تتجاوز 15 مليار دينار (للمقارنة يمكن الإشارة إلى موازنة الدفاع التي تتجاوز 1100 مليار دينار)، وأنّ تمويل الأنشطة الثقافيّة والفنيّة ليس ما يثقل موازنة الدولة الجزائريّة. لكن رغم ذلك، لا يمكن تبرير عدم إيلاء الاهتمام بمطالب اجتماعيّة شرعيّة لسكان لا حول لهم ولا قوّة، والحطّ منهم وإهانتهم، على غرار ما فعل داود وحزام من خلال اختزالهم في صفات ثقافيّة ودينيّة.
من المؤكد أنّ نمط عيش السكان الفقراء يحمل خصوصيات ثقافيّة مختلفة عن خصوصيات هذه النخب المتغرّبة الساخرة من الطلب الاجتماعيّ على إسلام لا يفهمونه، لكنّ تلك الخصوصيّات التي تعطي أهميّة للمرجع الدينيّ لا تمثّل ملمحاً جوهريّاً لأولئك السكان الذين يعانون الفقر ونقص التنمية. وفي حال نجاح بعض الفاعلين السياسيّين في شحذ الشعور بأنّ الجماهير تعاني صراعاً اجتماعيّاً، ومن ثمّ استثمار النضالات لمصلحتهم، فإنّ ذلك يعود إلى انحصار فكر أولئك المثقفين المزيفين في نظرة علمانيّة متعصّبة غير مبالية بالثقافة الشعبيّة.
لا تلقي هذه القضيّة الضوء فقط على الضعف البنيويّ للنموذج الاقتصاديّ الجزائريّ، بل كذلك على احتقار نخبة «مثقّفة» وإعلاميّة للمطالب الحيويّة للطبقات الهشّة التي لا تسمح لهم بتجاهلها إلا أنانيّة الأثرياء. وتشهد القضيّة كذلك على تلك النخبة المنغلقة داخل تصوّر تقديسيّ للحريات الثقافيّة والفنيّة مقابل أولويّة السكان المهمومين بتلبية احتياجاتهم الأساسيّة والخروج من الشقاء. ما دامت تلك النخب «المثقّفة» العلمانيّة تحمل رؤية ضيّقة واستخفافيّة وانتهازيّة، ومستمرة في احتقار الطبقات الشعبيّة، فإنّ الإسلامويّين تنتظرهم أيام جميلة.