يتركز جهد تركيا في الوقت الحالي على شراء وقت إضافي، يمكن خلاله اجتراح «آلية» تمكّن من تحييد «هيئة تحرير الشام» وإخراجها من «بازار» التفاوض مع الجانبين الروسي والإيراني، بما يحدّ من حجم أيّ عمل عسكري محتمل، في منطقة إدلب ومحيطها. وتحاول أنقرة إظهار استعدادها، أمام القوى المحلية التي تدعمها، لمنع أي عمليات من قبل الجيش السوري، عبر الدفع بتعزيزات عسكرية جديدة إلى نقاط المراقبة التي تشغلها على خطوط التماس. وفي المقابل، تخوض «هيئة تحرير الشام» مساراً مزدوجاً، يتضمن تغيير هيكلية المؤسسات «المدنية» التي تتبع لها، لتصبح قابلة للانصهار ضمن النموذج المرعيّ من تركيا، وتكثيف الحملات الأمنية في بعض المناطق ضد مناهضيها، بحجة «توقيف مروّجي المصالحات»، الذين يعملون وفق زعم «تحرير الشام» على إقناع الأهالي بنموذج «المصالحات» الذي تمّ في الغوطة وريف حمص والجنوب السوري. وبحسب الأرقام الرسمية التي نشرتها «وكالة إباء» التي تتبع «تحرير الشام»، فإن عدد «الموقوفين» أمس زاد على خمسين شخصاً. ويأتي هذا التحرك بعد آخر مشابه نفذته «الجبهة الوطنية للتحرير» واعتقلت خلاله المئات، قبل أن تصدر عفواً عن عدد من السجناء المعتقلين لديها، في ريف إدلب الجنوبي، غير المتهمين بـ«التخابر مع النظام» من أجل إنجاز «مصالحات». ويبدو تركيز كلّ من «هيئة تحرير الشام» و«الجبهة الوطنية للتحرير» منصبّاً على مناطق ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، وخاصة على تحييد أي خيارات قد تساعد في تقدم الجيش السوري إلى تلك المنطقة، ولا سيما خيار «التسويات»، الذي غيّر خريطة السيطرة بسرعة كبيرة في أكثر من منطقة من سوريا. ويتقاطع هذا التركيز مع احتمالات أن تكون تلك المناطق ساحة المعارك الأولى المحتملة، إلى جانب مناطق ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، التي تشهد يومياً استهدافات متبادلة بين الجيش والفصائل المسلحة.
أكدت أنقرة أن العمل مع واشنطن ضمن «خطة منبج» مستمر


وفي موازاة ما يجري على الأرض في إدلب، تبدو روسيا منهمكة في ترتيب الملفات السورية المتشابكة، بين عدة مسارات وجهات دولية. فبعدما استقبلت موسكو وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس الاستخبارات حقان فيدان، خاض الرئيس فلاديمير بوتين محادثات مهمة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ركّزت في أحد جوانبها على سوريا، وخاصة ملفي اللاجئين وإعادة الإعمار. ورغم عدم خروج القمة بنتائج ملموسة مباشرة، إلا أنها قد تكون مقدمة مهمة للاجتماع الرباعي المرتقب في أنقرة مطلع أيلول المقبل، بين تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، والذي يفترض أن يناقش ملفات مهمة مرتبطة بتطورات إدلب، وكامل الشمال السوري. وتزداد أهمية هذا الاجتماع لكونه يستبق اجتماعاً دولياً جديداً حول الملف السوري في الشهر نفسه، بدعوة من المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا. ووسط الحديث عن المخصصات المالية التي قدمها حلفاء واشنطن، لمصلحة المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديموقراطية»، جدّدت تركيا تأكيدها أن التوتر مع الجانب الأميركي لن يؤثر على الخطط المشتركة في مدينة منبج السورية، وأن القوات تتجه إلى تسيير دوريات مشتركة هناك، خلال وقت قريب. وكان لافتاً أمس أن مناطق سيطرة «قسد» شهدت توتراً بعد فرض «الإدارة الذاتية» مناهجها على كامل المدارس، ومحاولتها إغلاق المدارس التي رفضت القرار. وخرج بيان عن رؤساء وكهنة الكنائس المسيحية في الجزيرة والفرات، بعد اجتماع أول من أمس، استنكر محاولة إغلاق مدارس تتبع للكنائس، بعد رفضها اعتماد المنهاج المحدد من قبل «الإدارة الذاتية»، معتبرة أن ذلك يمثل «رسالة بالغة الخطوة تمسّ الوجود المسيحي في المنطقة».