يتداخل اتفاق التهدئة في طور التبلور بين حركة «حماس» والاحتلال الإسرائيلي من جهة، ورفض السلطة الفلسطينية له من جهة أخرى، ضمن تداخل من شأنه تأجيل إعلان الاتفاق دون إلغائه. فقد بات واضحاً أن من مصلحة إسرائيل وشركائها الإقليميين إشراك السلطة في الاتفاق كطرف منفذ له، وإن كان من ناحية الشكل، وتحديداً ما يتعلق بالطرف المسؤول عن المعابر المقررة عودتها إلى عملها شبه الكامل مع قطاع غزة، إن من الجانب الإسرائيلي، كمعبري «كرم أبو سالم» و«إيريز»، أو من الجانب المصري: معبر رفح.

هذه المسؤولية، حتى الشكلية منها، جزء لا ينفصل مبدئياً عن الاتفاق من جهة إسرائيل، وأحد أساسات القدرة على تسويقه في الداخل الإسرائيلي، الأمر الذي ترفضه رام الله في المقابل وتسعى إلى الحؤول دونه. فمن ناحية السلطة، وبغضّ النظر عن ضرورة موازنة مصالح الشعب الفلسطيني وتقليص معاناته، فإما أن تحكم هي القطاع، ومن ثم المسؤولية عنه وعن الجزء الفلسطيني من الاتفاق بموجب حكمها الكامل، وإلا فلا «تعاون»، بل محاولة إفشاله. لكن موقف السلطة ومطالباتها غير وارد وغير ممكن تحققه بالقدرة الذاتية التي لا تصل إلى حدّ التصور النظري في مواجهة «حماس» والفصائل الأخرى في غزة، ما يعني «انتظار» إسقاط «حماس» عبر إسرائيل، وهي المهمة التي ترفضها تل أبيب للتعذر، وللأثمان المقدَّر دفعها وتكبدها، وهي في الأساس (التكلفة والخسائر) التي تدفع إسرائيل إلى اتفاق التهدئة.
مع ذلك، وإن كان هذا توصيف المشهد ومصالح أطرافه، وتحديداً السلطة الفلسطينية التي لن تمتنع عن فعل أي شيء للحؤول دون اتفاق التهدئة، فإنه في الموازاة توصيف قد يكون مضللاً أو ناقصاً. في التوصيف الأدق، يتضح أن إسرائيل التي توصلت إلى تقديرات تدفع إلى اطمئنان أن لا مصلحة لديها بالمطلق في مباشرة حرب مع القطاع أو فعل ما من شأنه التسبب في حرب، تريد في موازاة التوصل إلى التهدئة دفع أقل من الحد الأدنى من الأثمان العسكرية والسياسية، وكذلك المعنوية، الأمر الذي يدفعها إلى إشراك السلطة في الاتفاق كي تمنع تداعياته السلبية في حال امتناع الأخيرة عن المشاركة. وهو للمفارقة ما تدركه السلطة جيداً، وتعمل بناءً عليه ضد «حماس» في صراعها معها.
في الوقت نفسه، يمكن التأكيد أن إسرائيل بمعية شركائها الإقليميين، إضافة إلى إجراءات مالية ولوجستية وإدارية تقدم عليها، هي حيال تقليص ارتباط غزة برام الله، ويمكنها تجاوز مشاركة السلطة في الاتفاق وكذلك الحد من تداعيات إجراءاتها و«عقوباتها» التي تهدد بالإقدام عليها. والواضح أن امتناع إسرائيل عن هذه المقاربة وإصرارها على إشراك السلطة مبنية على خشيتها من رد فعل الأخيرة وإمكان التأثير السلبي لموقفها في دورها ووظيفتها إلى جانب الاحتلال، وإن اقتصر ذلك في حد أدنى على الإضرار بالوظيفة الأمنية للسلطة، وهذا السبب يأتي إلى جانب سعي تل أبيب إلى عدم الظهور أو تقليص الظهور كجهة رضخت لحركة «حماس» وخيار المقاومة، في أنها تنازلت للسلطة وليس لفصائل المقاومة في غزة.
وإحدى أهم الوسائل التي تستخدمها إسرائيل لتليين موقف السلطة، تحميلها مسؤولية فشل اتفاق التهدئة، لكونها الجهة التي تعرقل تبلوره النهائي، ومن ثم محاولة نقل الصراع بين الاحتلال والفصائل وسكان القطاع إلى صراع فلسطيني - فلسطيني، وهو إن كان صحيحاً (العرقلة) بجزء منه، لكنها مسؤولية مجتزأة وناقصة، والجهة الأكثر عرقلة لبلورة هذا الاتفاق هو موقف الاحتلال نفسه وإصراره على تقليص ما أمكن من تنازلاته الأمنية والسياسية، ومما يبدو المعنوية.
التقدير أن مزيداً من الثبات الفلسطيني للفصائل في وجه الاحتلال وإعادة التصويب على المحتل دون الانجرار بالمطلق إلى مقاربته، من شأنه أن يدفع تل أبيب وشركاءها الإقليميين، مع أو من دون السلطة، إلى إيجاد «حلول» لاتفاق لا يمكن ولا يريد الاحتلال الحؤول دونه، وإن كان يلزم ــ في نهاية المطاف ــ دفع أثمان أكثر، في حال امتناع السلطة عن المشاركة فيه.