في حارة صغيرة في شارع الأمين الدمشقي، يجلسُ محمد بن سعيد بن فريد الأسدي خلف قطع ورق كبيرة، يُشكّل جُملاً خطّطها للتو، وأضافها لأرشيفه المتراكم على مدار السنوات المُتتالية. فقد أبو سعيد أمله بالتخطيط كمهنة، وأبقاها هواية تتلذّذ بها أصابعه كلّما ضجر من صخب الحياة. يقول ابن الخامسة والسبعين عاماً «في زمن الكومبيوتر، بات كلّ شيء مسطّحاً ومُفرغاً، حتى الحروف، أشعر أنها خفيفة حين تكون مطبوعة، وثقيلة وذات معنى حين تكون مخطوطة بالحبر على الورق». نزح الأسدي من مدينة صفد الفلسطينية عام 1945 وجاء إلى دمشق مذ كان عمره سنتين، وتنقّل في أحيائها إلى أن استقرّت به الحال في المدينة القديمة. يسترسلُ حين نسأله عن التخطيط والخطوط، ويبتسم حين يتذكّر طفولته ويقول: «كنتُ الطالب الوحيد الذي يُسمح لي بإحضار المحبرة والقصب إلى المدرسة، وكنت أقوم بتخطيط أسماء أساتذتي وأصدقائي». ذاع صيت الأسدي بين أصدقائه وأساتذته على صغر سنّه ثم تتلمذ ودرس الخط عند الخطاط المعروف بلقب البدوي (محمد بدوي الديراني) خطاط بلاد الشام الأول عندما كان يافعاً، حيث كان يذهب يومياً إلى «شيخ الكار» في دكّانته الكائنة في حي الحريقة، وعايش البدوي مدة عشر سنوات حتّى وفاة الأخير عام 1967.

يعترفُ أبو سعيد بأن التطوّر قضى على فنّي الرسم والتخطيط، لتأتي طباعة الورق الإلكترونية، والتصوير الفوري من خلال الهواتف المحمولة، وتسمح «للقاصي والداني بالتصوير والتخطيط». في عام 1979 وحتى 1987 كتب أبو سعيد المصحف بخط النسخ، وبتشكيل الرسم العثماني، ومع بدء الحرب في سوريا، اعتكف في منزله، وتوقّف عن التخطيط... «الخطّ مزاج، ولم تترك هذه الحرب مزاجاً لشيء (...) لا كلمات أكتبها، وإذا أردتُ أن أكتبَ شيئاً ما، فأسترك الورقة خالية، أو أرسم نُقاطاً متتالية بجانب بعضها، لكي يفهمها كلّ منّا كيفما يشاء».