تشهد العاصمة الليبيّة منذ أعوام قتالاً متفرقاً بين الميليشيات العسكريّة، تتداخل فيها الضغائن القبليّة والجهويّة بالمصالح الماديّة والسياسيّة. ومع تشكيل حكومة الوفاق الوطنيّ وتوليها السلطة في النصف الغربيّ من البلاد، أُدمجت الميليشيات ضمن الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، لكنّ حروب التوسّع بينها لم تنته، بل فاقمتها التغطية والموارد الماليّة الآتية من السلطة الهشّة.

تدور المواجهات هذه المرّة بين «اللواء السابع» (ميليشيا تُسمى أيضاً «الكانيات») التابع لوزارة الدفاع، و«كتيبة ثوار طرابلس» التابعة لوزارة الداخليّة. ويقول «اللواء السابع»، الذي يتبع قبائل ترهونة (مدينة تبعد حوالى 90 كيلومتراً جنوب طرابلس ولها امتداد داخلها) إنّها تحركت كردّ فعل على اعتداءات تعرّض لها أبناؤها، وأنّ ذلك تمّ بعد توجيه نداءات متكررة للتدخل بعد أن حولت بعض المناطق إلى «أوكار للفساد وممارسة الحرابة والجريمة». من الناحية الميدانيّة، يقول «اللواء» إنّه سيطر، بعد وصول تعزيزات له من مدينة ترهونة، على عدّة أحياء جنوب العاصمة.
من ناحية ثانية، لم تصدر «كتيبة ثوار طرابلس» بيانات، واكتفى آمرها، جلال الورشفاني، بالقول أمس إنّهم يتعرضون لهجوم عنيف، وإن الحرب فُرضت عليهم، وهم مجبورون على قتال جهات وأشخاص «مطلوبين من قبل النائب العام»، معلناً استعدادهم لحلّ الأمر بالحوار.
من جهته، أصدر «المجلس الرئاسي»، الذي يشرف على عمل حكومة الوفاق الوطنيّ، بياناً استنكر فيه بشدة «الهجوم المسلح الذي تشهده ضواحي مدينة طرابلس من قبل مجموعات وعصابات خارجة عن القانون». وحذّر المجلس «هذه المجموعات بأنّه لم يعد هناك مجال للتسيّب والفوضى»، مضيفاً أنّه «سيتم اعتبار كلّ من يتورّط في هذا الهجوم الغادر على العاصمة خارجاً عن القانون وستطاله يد العدالة والعقوبات الدوليّة حسب قرارات مجلس الأمن الدوليّ بالخصوص».
رداً على ذلك، أصدرت قبائل ترهونة بياناً تلاه متحدث باسمها، وجاء فيه إنّ اللواء السابع تشكّل العام الماضي بقرار من «المجلس الرئاسيّ» نفسه، وهو هيكل منضبط يتبع وزارة الدفاع، وإنّ تحركاته على الأرض هي «لمصلحة الوطن عامة وطرابلس خاصّة». وفيما قال البيان إنّ قبائل ترهونة تدعم الحوار الوطنيّ والوفاق الوطنيّ والمؤسسات القائمة، المنبثقة عن الجهود الدوليّة، دعت أبناءها إلى الانسلاخ عن التشكيلات العسكريّة التابعة لمدينة طرابلس، وأعلنت أنّها ترفع الغطاء الاجتماعيّ وتبرأ ممن يبقى منهم منخرطاً فيها.
أما «المجلس الأعلى للدولة»، وهو هيكل استشاريّ تشكّل بموجب اتفاق الصخيرات السياسيّ (توازياً مع تشكيل حكومة الوفاق) ويعمل في طرابلس، فقد أصدر بدوره بياناً استنكر فيه الاشتباكات المسلّحة، ووجّه دعوة «لجميع الأطراف المتحاربة إلى الوقف الفوريّ لإطلاق النار واللجوء إلى الطرق القانونيّة السلميّة في حلّ جميع الاشكاليّات». وفي حين أكد المجلس «رفضه التام لأيّ حرب جديدة في جميع ربوع ليبيا عامّة وفي طرابلس خاصّة»، أدان في المقابل «تباطؤ المجلس الرئاسيّ في تنفيذ الترتيبات الأمنيّة» الواردة في نصّ الاتفاق السياسيّ.
من ناحية الكلفة البشريّة، تضاربت المعلومات حول عدد الضحايا. ففيما أعلنت «مديريّة أمن طرابلس» مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين، جميعهم مدنيّون، بقذائف عشوائيّة، أكدت قناة «ليبيا الأحرار» نقلاً عن مصدر طبيّ وصول قتيلين وثمانية عشر جريحاً إلى مستشفيات العاصمة. أما وزير الصحّة في حكومة الوفاق الوطنيّ، عمر بشير الطاهر، فقد أصدر توجيهات إلى المصحات الخاصّة باستقبال من يصلها من الجرحى، بالتنسيق مع «إدارة شؤون جرحى طرابلس» (من ناحية التكاليف)، كما أصدر تعليمات بتشكيل مستشفى ميدانيّ.