نشأنا على صوت أحمد، ابن جيراننا، وهو يتلقّى صفعات والده مترافقةً مع شتائم شتّى. كل تفاصيل الحياة اليومية لذلك الطفل كانت تصلحُ سبباً لضربه: اللعب، الوقوف على الشرفة، مشاهدة التلفاز... إلخ. كانت جملة بعينِها تتردّد على لسان الأب الغاضب: «التفت لدراستك يا كلب». قبل أحد عشر عاماً تخرّج أحمد، ثمّ انخرط منذ سبعة أعوام في العمل بائعَ خُضر وفاكهة!. حين التقيته قبل عامين مصادفةً في حلب، ذكّرتُه بغضب والده في السنين الخوالي، فأجابني وهو يضحك: «بالآخر اقتنعنا أنا وهو إنو الدراسة ما بتطعمي خبز». كان أحمد ووالدُه قد قفزا إلى ذهني عام 2012، إثر صدور بيان عن رئيس جامعة حلب على خلفيّة مظاهرات وأعمال عنف واعتقالات شهدتها المدينة الجامعيّة وقتَها، وخلّفت ضحايا ومصابين. كان البيان المذكور قد حفل بـ«مشاعر الودّ» تجاه الطلبة، و«أهاب» بهم أن «يلتفتوا إلى دراستهم وتحصيلهم العلمي»! هكذا حرفيّاً. في خلال الشهر الحالي، تذكّرت البيان وأحمد ووالده غيرَ مرّة، فهو كان شهراً حافلاً بالأحداث الطالبيّة، بدءاً بتأكيد نائب رئيس جامعة دمشق أنّ «من لا يملك المال الكافي، ويهتم بالعمل، فلا داعيَ لأن يدرس دكتوراه، وليترك المكان لغيره»، ووصولاً إلى اعتقالات طاولت عدداً من الطلاب الجامعيين الذي تجمعوا في دمشق للمطالبة بمنحهم «دورة امتحانيّة استثنائيّة». ثمّة فجوةٌ كبيرة بين بيان جامعة حلب (2012) ووقائع آب 2018، بلا شك. وينبغي على الطلاب التسلّح بوعي كبير كي يدركوا الحكمة العميقة من هذه التحوّلات. لقد أهدر أحمد سنوات من عمره وهو يتلقى صفعات والده كي «يلتفت إلى الدراسة»، فأين انتهى به المطاف؟ ألا تحوي هذه القصة عبرة تجعل الطلاب يشعرون بالامتنان العميق لرجالات العلم في الحكومة وهم يُحاولون اختصار الطريق عليهم؟ ألا ينبغي على «الأبناء الضالين» التسليم بأنّ الحكومات تعرف مصلحتهم أكثر منهم؟ وأنّها قادرةٌ بما أوتيت من علمٍ وفَهم وخبرات أن تُحدّد وفقاً لمعايير وطنيّة بالغة الدقة متى ينبغي للطالب أن يلتفت إلى دراسته ومتى يجب عليه الالتفات عنها؟ ثمّ، ألم يحن الوقت بعد لإنصاف الحكومة ومدحها بدلاً من ملء مواقع التواصل الاجتماعي بالتذمر؟. لقد اجتمعت الحكومة خصّيصاً لإصدار قرار يتيح الحصول على «قرض قرطاسيّة»، وهذا، على الأرجح، لم تفعله حكومة أخرى في الدنيا، وهي لأجل هذا تستحق المديح. وهي تستحقّه أيضاً لأنها حريصةٌ على أحلام السوريين بزيادةٍ للرواتب (قولوا بالله عليكم بماذا ستحلمون إذا سلبتكم الحكومة هذا الحلم وحوّلته حقيقة؟!). وهي تستحقّه ثالثةً لأنّها حريصة على أتمتتكم ومنحكم بطاقات ذكيّة وبنزيناً ملوّناً (شعب لا يقدر الذكاء ولا الألوان الجميلة). ورابعةً لأنّ محاضرةً لـ«دكتور علم الطاقة» قد أُلغيت بناءً على طلبكم. (اطلبوا وتمنوا!). وخامسةً لأنّ «معرض دمشق الدولي» على الأبواب، وسعر تذكرة الدخول لن يتجاوز مئة ليرة، ولن يكون مُستغرباً أن يستيقظ الكرم الحكومي فجأة ويجعل الدخول مجانيّاً. وهي تستحقه مراراً وتكراراً بسبب وبلا سبب، وهل تستحق الحكومات إلا المديح؟!!

هامش: عام 1995 خسر المنتخب الكروي السوري للشباب أمام نظيره البرازيلي بستة أهداف نظيفة، لكنّه كان يستحق المديح حتماً لأنّه لم يتلقّ هدفاً سابعاً.