منذ بدء الحديث عن مصير محافظة إدلب ومحيطها، لم تغير دمشق موقفها المؤكد ضرورة العمل لاستعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية، بالمصالحات أو بالقوة. هذا الإصرار قوبل بأسئلة كثيرة عن طبيعة الدور التركي المفترض في تلك المنطقة، واحتمالات «ردع» أي تحرك عسكري متوقع من الجيش السوري وحلفائه. وعززت مدة المشاورات الطويلة التي أطلقتها روسيا الشكوك حول الآلية المفترضة لحل معضلة إدلب، لكن المعلومات التي رشحت خلال الأيام القليلة الماضية تحدثت عن العملية العسكرية ضد «هيئة تحرير الشام» والمتحالفين معها، كأمر واقع تسبقه محاولة تحييد الفصائل التي تملك الإرادة لدخول مسار «الحل السياسي»، عن المعارك.

العمل على هذه التسويات في إدلب، وفق ما تكشف أروقة المشاورات في موسكو، ينقسم إلى مسارين منفصلين: الأول يجري عبر رعاية روسية ــ تركية ضمن إطار التعاون المشترك في أستانا، فيما تقود دمشق جهوداً عبر قنواتها الخاصة لإبرام مصالحات محلية مع وجهاء من أبناء بلدات إدلب وحماة وحلب. ومثلت زيارة وزير الخارجية وليد المعلم، إلى موسكو أمس، ولقاؤه نظيره الروسي سيرغي لافروف، مناسبة لاستعراض المنجز في هذا السياق، خصوصاً ضمن قنوات التنسيق العسكري الروسي ــ التركي. لافروف أكد أنه أطلَع المعلم على تفاصيل المشاورات مع أنقرة، واستمع منه لنتائج جهود المصالحات المحلية. وفي المقابل، أوضح المعلم أن «تحرير الشام» عملت على اعتقال العديد من أعضاء لجان المصالحة في إدلب، خلال المدة الماضية، في محاولة لإحباط «التسويات».

المعلم: شكل الدولة وحقوق الأكراد يحددها الشعب في الدستور المقبل


وكان اللافت أمس، في هذا الإطار، حديث الأمم المتحدة عن أهمية فتح معابر إنسانية للمدنيين في منطقة «خفض التصعيد»، بغية تجنيبهم أخطار المعارك المفترضة. وبدأ مكتب المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، اتصالات مكثفة مع «الدول الضامنة»، روسيا وتركيا وإيران، في مسعى لإيجاد صيغة تتيح تحييد المدنيين قبل انطلاق الاشتباكات. وأثارت تصريحات دي ميستورا، أمس، موجة من الاستنكار في أوساط المعارضة، لكونه أشار إلى وجود نحو 10 آلاف مسلح يتبعون فصائل مصنفة «إرهابية» لدى الأمم المتحدة، بعد تأكيده حق الحكومة السورية في محاربة تلك التنظيمات. وجدد المبعوث الأممي عرضه الذي اقترحه سابقاً قبيل معارك أحياء حلب الشرقية، وذلك بـ«المساهمة شخصياً وجسدياً، في تأمين ممر إنساني موقت (بتنسيق مع الحكومة السورية) يتيح للسكان المدنيين الخروج»، إلى مناطق مجاورة تحت سيطرة الحكومة، وضمان احترام حقوقهم هناك. ولفت إلى أهمية جهود موسكو وأنقرة في تجنب حدوث «أسوأ سيناريو»، منبهاً إلى قلق الأمم من احتمالات «استخدام أسلحة كيميائية من الحكومة أو جبهة النصرة».
الحديث الأممي استدعى استنكاراً جديداً من دمشق، وتأكيداً على أنه لا وجود لأي أسلحة كيميائية لديها. كما أشار المعلم إلى أن القوات الحكومية فتحت معبر أبو الضهور أمام المدنيين، لكن «التنظيمات الإرهابية منعت خروجهم عبره»، لافتاً إلى أن دمشق «مصممة على استعادة إدلب مهما بلغت التضحيات»، وإن كانت الأولوية للمصالحات. النشاط الروسي على خط دمشق ترافق مع اتصال هاتفي جمع وزيري الدفاع، الروسي والتركي، وتناول تطورات الوضع في إدلب ومحيطها، بالتوازي مع وصول قوات تركية خاصة إلى الحدود مع سوريا، تمهيداً لنقلها إلى إدلب.
وخرج الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ليؤكد أن بلاده تعمل على تجنيب إدلب مصيراً مماثلاً لما جرى في أحياء حلب الشرقية. كذلك، تزامن هذا الحراك، مع إعلان الجانب الروسي بدء تمرينات عسكرية واسعة في البحر المتوسط تستمر لمدة أسبوع كامل، ربطاً بمجريات الميدان والتهديدات الغربية بتنفيذ اعتداء جديد على سوريا. وعلى رغم أن جدولة هذه التمرينات تمت منذ مدة طويلة، فإن توقيت إعلانها يساهم في رفع منسوب التوتر بين موسكو وواشنطن، ومن خلفها «حلف شمال الأطلسي».
وعلى صعيد آخر، كان لافتاً ربط وزير الخارجية السوري، مسألة المحادثات مع «مجلس سوريا الديموقراطية»، بمصير «اللجنة الدستورية» التي يجري العمل عليها في جنيف، موضحاً أن «الإخوة الأكراد مواطنون سوريون لذلك لا نستطيع منذ الآن أن نقول ما هي حقوقهم ولا شكل الدولة في الدستور المقبل... هذا الأمر يتم التوافق عليه بين المتحاورين ثم يعرض على استفتاء شعبي والقرار سيكون للشعب السوري».