القاهرة | في حوار تلفزيوني قبل أسابيع، قال رئيس «لجنة الثقافة والإعلام» في مجلس النواب، أسامة هيكل، إن الدولة لا ترغب في تكرار أخطاء «ماسبيرو» (مبنى الإذاعة والتلفزيون)، الذي سيحال نحو 6 آلاف من موظفيه ــــ البالغ عددهم أكثر من 35 ألفاً ــــ على التقاعد نهاية العام المالي الجاري (ينتهي في الشهر السابع)، وذلك في وقت أُوقفت فيه التعيينات الجديدة بقرار من أجهزة سيادية تسعة، بهدف التخلص من المديونية التي وصلت إلى مليارات الجنيهات.

هذا التوجه هو صيغة وجدتها الأجهزة السيادية «الحل الأمثل» في التعامل مع الإعلام الحكومي، إذ حُكم على محاولات التطوير، التي كانت تأمل عبرها الرقابة الإدارية بالشراكة مع أجهزة أخرى، في استعادة مكانة التلفزيون بالفشل، وذلك بسبب الروتين والإجراءات المعقدة المتبعة، إلى جانب الحرب التي قادتها جهات أخرى في الدولة، وجدت في الإعلام الخاص ضالتها لإدارة المشهد الإعلامي والسيطرة عليه.
حتى أشهر قليلة خلت، كان رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في واجهة المشهد، عبر شركته «إعلام المصريين» التي استحوذت على عدد محدود من المنصات الإعلامية الخاصة. لكن إقصاء أبو هشيمة من المشهد الإعلامي أُتبع بدخول المخابرات العامة شريكاً في التعامل مع وسائل الإعلام من دون سداد بدل مادي، في مقابل ملايين الجنيهات التي أنفقت على انطلاق شبكة قنوات كان يفترض أن تكون قادرة على المنافسة عربياً إبّان الصراع بين جهازي المخابرات العامة و«الحربية».

ارتفع منسوب مشاهدي قنوات «الإخوان» التي تبث من الخارج


خسارة القنوات والإخفاق في تحقيق أي عائد من الأموال التي تم إنفاقها، بجانب وجود أصوات إعلامية أعلى من «المألوف»، دفعت «المخابرات العامة» بعد إعادة تشكيلها بقيادة اللواء عباس كامل إلى انتهاج سياسة جديدة في التعامل مع المشهد الإعلامي، في سياسة ليست لها علاقة بحرية الصحافة والإعلام، بل قائمة على «المصادرة والتملّك تحت التهديد مع استغلال جميع الطرق والوسائل». ولم يعد هناك في ظل الاستراتيجية الجديدة أي مساحة لارتفاع الصوت، فالأصوات الموجودة على الشاشة يجب أن تكون تحت السيطرة، وكذلك مالكو القنوات. حتى إن لم يكن لديهم مشاريع يمكن الضغط عبرها، فإن مجرد سلامتهم الشخصية وعائلتهم وسيلة ضغط كافية لإبقائهم جزءاً من المنظومة.
المبررات تدور حول أن الدولة بحاجة إلى «اصطفاف وطني» و«وحدة إعلامية» و«تنازلات من جميع الأطراف»، وهي ما تقوم عليه المفاوضات في الوقت الجاري، مفاوضاتٌ صيغتها: «إما الدخول في شراكتنا وتنفيذ تعليماتنا... وإما لا مساحة للوجود»، وباتت ضحيتها الآن وجوه إعلامية معروفة، ومالكو قنوات حاولوا الصمود لمدة طويلة.
صحيح أن الإعلامية لميس الحديدي حاورت الرئيس عبد الفتاح السيسي في أول مقابلة إبان ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2014، بعد خلع بذته العسكرية، لكنها الآن لم تستطع العودة إلى الشاشة كما كان مقرراً مساء السبت الماضي، لكونها لم توافق على تفاصيل الاتفاق الذي قُدّم إليها. ولا يختلف وضعها كثيراً عما حدث مع الإعلامي وائل الإبراشي، نهاية الأسبوع الماضي، الذي غُيّب أيضاً عن الشاشة.
وتجد الأجهزة السيادية بشأن رفض مالكي القنوات الخاصة البيع من دون مقابل وسائل عدة للضغط عليهم، منها قرارات منع ظهور أبرز مقدمي البرامج فيها، أو تعطيل استصدار تصاريح خاصة بهم، وأيضاً توجيه المعلنين إلى تجنب التعامل مع هذه القنوات. هذا الحصار يأتي في ظل الرغبة في نقل تبعية جميع وسائل الإعلام الخاصة لتكون تحت مظلة «إعلام المصريين» التي تمتلكها وتديرها المخابرات، بمعزل عن نتائج سياسات الشركة التي أهدرت ملايين الجنيهات في الأشهر السابقة.
مشكلة «إعلام المصريين» لم تكن في سوء الإدارة وتغيير قياداتها فقط، ولكن في محاولات الاحتكار التي كانت ولا تزال مستمرة. وفي غياب الرؤية عن القائمين عليها، لا يدرك العسكريون الذين يديرون المشهد الإعلامي تفاصيله، ويتعاملون مع صُنّاعه كأنهم جنود، غير مدركين (ربما) الحقيقة الملموسة في الشارع، وهي أن قنوات «الإخوان المسلمون» التي تبث من الخارج أصبحت من الوجهات الأكثر مشاهدة بعدما ضاق المواطنين ذرعاً بـ«تطبيل» الإعلام الخاص.