جمّدت القاهرة المحادثات في ملف التهدئة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الإسرائيلي، تاركة الباب موارباً في شأن المصالحة الداخلية الفلسطينية. قرارٌ أُبلغ به رئيس السلطة، محمود عباس أمس، وفق مصدر تحدث إلى «الأخبار»، فيما لم تبلغ به حركة «حماس» رسمياً بعد. المفاوضات غير المباشرة في شأن التهدئة توقفت وفق التبرير المصري بسبب غياب السلطة عنها، وذلك بعد إبلاغ الأخيرة جهاز «الاستخبارات العامة» المصري بأنها «لن تشارك في محادثات التهدئة قطعاً، ما لم يسبق ذلك إتمام ملف المصالحة وقبول حماس تطبيق اتفاق 2017 القاضي بتمكين حكومة التوافق كلياً في غزة».

كان متوقعاً تجميد المحادثات، هذا ما تظهره محاضر اجتماعات فلسطينية - فلسطينية من جهة، وفلسطينية - مصرية من جهة أخرى، حصلت عليها «الأخبار». تُظهر هذه المحاضر الجانب السوداوي من المشهد على عكس ما كان يقال في الإعلام عن «تحسن» في العلاقات الثنائية و«تقدم» في المحادثات، كافياً عن كل ذلك استمرار «الحظر» المصري منذ سنة على جولة خارجية لرئاسة المكتب السياسي لـ«حماس» في غزة، مستضيفة إياهم كـ«رهائن» ليس لهم إلا العودة إلى غزة.
المحضر الأخير، الذي دوّن خلاصة لقاء جمع «حماس» بفصائل المقاومة القريبة منها («المقاومة الشعبية»، «لجان المقاومة»، «منظمة الصاعقة»، «حركة المجاهدين»، «النضال الوطني») في الـ29 من الشهر الماضي، في غزة، كان يحمل ما انتهت إليه المحادثات، إذ أعربت «حماس» عن قلقها من الأسس التي انطلقت منها اللقاءات في القاهرة (قبل علمها بتجميدها). هذا التخوف عبّر عنه رئيس الحركة في غزة، يحيى السنوار، بقوله خلال الاجتماع، إن «مصر تحاول أن تلوي الأمور لإبقاء السلطة متربعة، لكن السلطة خائفة من ذلك وخطابها الإعلامي تهجم وبيع وطنية». ولمّح السنوار إلى شعوره بأن القاهرة لن تستدعيهم مجدداً، قائلاً: «(أبلغونا) أن السبب سفر وزير الاستخبارات (اللواء عباس كامل) إلى الصين ليتضح أنه سافر إلى إثيوبيا». أما «لجان المقاومة»، فاشتكت من «لهجة التهكّم» التي اتبعتها الاستخبارات المصرية خلال اللقاءات التي جمعتهم بها في تعقيبهم على بعض المطالب، داعية عبر أحد ممثليها الاثنين في الاجتماع إلى الحذر من مصر «لأنها تحاول أن تجعل السلطة من يحصد الثمر».

المصريون يبيعون «الوهم»
مع ذلك، شرح مندوبو الفصائل أن القاهرة أوهمتهم أنها مع حل مشكلات غزة حتى لو كان الثمن «تخطي فتح»، إذ نقل أحد ممثلي «المقاومة الشعبية» أن مسؤولي الاستخبارات المصرية كانوا «يتهكمون» على «أبو مازن»، ناقلاً أن الوكيل في جهاز الاستخبارات عمر حنفي (اجتمع مع عباس قبل أيام) علّق خلال أحد الاجتماعات على عقوبات السلطة على غزة بالقول: «نحن زعلانين جداً منه (عباس)، ولكن أحياناً السن والمرض له دور سلبي». ورأى المجتمعون أن رئيس السلطة «يطبق صفقة القرن بلباس آخر... الإطار القيادي الموقت (لـ«منظمة التحرير») المتفق عليه في القاهرة ومخرجات بيروت 2017 لم يطبق أي منها حتى الآن». وأشاروا كذلك إلى أن «حالة العزلة التي تعيشها فتح» دفعت بمصر إلى «إيهام» الفصائل الأخرى أنها ستسير بالمحادثات كما هي في حال تخلّفت السلطة.
مع ذلك، أوضحت قيادة «حماس» في الاجتماع نفسه أن التهدئة في حال تحقيقها تمثل «مكسباً كبيراً»، لأن «الظرف ممتاز» للضغط على العدو الإسرائيلي، كما أن هذه التهدئة «تعزز الجبهة الداخلية في غزة».

قررت «حماس» إعادة تفعيل «مسيرات العودة» والبالونات الحارقة


بالانتقال إلى محضر ثانٍ، تظهر وقائع لقاء جمع الاستخبارات المصرية، بحضور مسؤول الملف الفلسطيني فيها، اللواء أحمد عبد الخالق، إضافة إلى المسؤول السابق عن الملف، اللواء سامح نبيل، مع أربعة فصائل، وذلك في الـ16من الشهر الماضي. ويتبين من حديث المسؤولين المصريين أن القاهرة ترى نفسها ممثلة عن الشعب الفلسطيني في الخارج، إذ ألقوا اللوم على الفصائل بسبب عملهم الإعلامي «الذي يخاطب نفسه». وحاول عبد الخالق إيضاح أن هناك «غموضاً حول صفقة القرن وتسمية دولة غزة»، مشيراً إلى أن المنح الأوروبية للقطاع مرتبطة الآن بملف الهدنة. وبينما أكد أن مصر هي الوحيدة القادرة على حل مشكلات غزة، شدد على أن بلاده تنظر إلى قضية الممر المائي (مع قبرص التركية) بصورة مغايرة، لأن «الأمور معقدة، وليس كما يظن الفلسطينيون، فالعدو لن يسمح بإنشائه».
وشدد المسؤول المصري على ضرورة ألا تلجأ الفصائل إلى «المراشقات الإعلامية»، بخاصة «الأحرار» (المنشقة عن «فتح»)، إضافة إلى تجنب الفلسطينيين ذكر أي اسم من الاستخبارات المصرية في الإعلام، علماً أن ذلك كان قبل يوم أو اثنين من قرار القاهرة استبعاد الفصائل من غير «الإطار الموقت للمنظمة» من هذه اللقاءات. وعملياً، يظهر في حديث ممثلي الفصائل أن المطالب كانت غير منظمة ومشتتة، إذ عبر كل فصيل عن رغبته الخاصة في ملفي التهدئة والمصالحة، لكنهم اتفقوا جميعاً على «وجوب الانتهاء من سياسة استثناء فصائل المقاومة من أي لقاء وطني».

خوف من الممر المائي
في سياق متصل، علمت «الأخبار» أن تعثر مفاوضات التهدئة جاء بعد رفض المصريين إصرار «حماس» على مطلبها بإقامة ممر بحري بين غزة وقبرص، إذ عرضوا مشروع ممر بحري بديل عن الطرح الأوروبي يصل غزة بميناء بورسعيد، أو الاكتفاء بتوسيع معبر رفح البري، لكن الحركة رفضت الاقتراح المصري خوفاً من تعثر لاحق للعلاقات مع القاهرة أو إلغاء التهدئة مستقبلاً. ووفق التقدير الحمساوي، يخشى المصريون في حال إنشاء ممر مع قبرص أن يفقدوا ورقة امتيازهم (حدود غزة معهم حصرياً)، ما يفتح المجال أمام «حماس» للتوجه إلى وسطاء كقطر وتركيا أو دول أخرى، وهذا ما يؤدي إلى إضعاف الموقف السياسي الذي تحاول القاهرة كسبه في القضية الفلسطينية.
جراء ذلك، علمت «الأخبار» أن «حماس» وفصائل أخرى قررت إعادة تفعيل «مسيرات العودة» وإطلاق البالونات الحارقة والطائرات الورقية. ويتزامن ذلك مع إعلان الناطق باسم جيش العدو مساء أمس، أن تقديراتهم تشير إلى أن «فرص التصعيد العسكري في غزة أكبر من فرص التوصل إلى اتفاق تهدئة طويلة الأمد».