لم يفلح قرار حكومة الرئيس اليمني المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، رفع مرتبات موظفي القطاع العام، بمن فيهم المتقاعدون، في تطويق رقعة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في المحافظات الجنوبية على خلفية تردّي الأوضاع المعيشية. إذ تواصلت، أمس، لليوم الثالث على التوالي، التظاهرات الغاضبة على تدهور سعر صرف العملة المحلية، وما سبّبه من ارتفاع في الأسعار، مُمتدَّةً إلى مناطق محافظة حضرموت، بعدما كانت محصورة في محافظة عدن والمحافظات المجاورة لها. تصاعد حاول «المجلس الانتقالي الجنوبي» الموالي لأبو ظبي، والذي مُنِع من الحضور مفاوِضاً في محادثات جنيف المرتقب انطلاقها يوم غدٍ، استغلاله بالدعوة إلى تحركات رافضة لما سينتج من تلك المحادثات.

وشهد عدد من مديريات عدن، صباح أمس، عمليات قطع للطرقات بواسطة الإطارات المشتعلة، في وقت أصاب فيه الشلل التام معظم مناطق محافظة لحج، حيث أُغلقت المحال التجارية، وقُطعت الطرقات، وجابت التظاهرات شوارع المحافظة استجابةً لدعوة النقابات العمالية. وفي مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، التي ظلّت حتى قبل أيام خارج خريطة الاحتجاجات، عمد المواطنون إلى إحراق الإطارات، قاطِعين بها الطرق الرئيسة، توازياً مع إغلاق المحالّ التجارية، وخروج تظاهرات مطالبة بوقف انهيار الريال والحدّ من ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ولم تكن مناطق وادي حضرموت، التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الأساسية والمشتقات النفطية والأدوية بلغ الضعف أحياناً، بعيدة من المشهد الاحتجاجي، إذ خرجت في مدينة سيئون تظاهرة مُندّدة بما آل إليه الوضع المعيشي، بعدما كانت السلطة المحلية في وادي وصحراء حضرموت قد أعلنت تعليق أعمالها لمدة أسبوع تضامناً مع المحتجين.
وعلى الرغم من أن الموجة الجديدة من التظاهرات في المحافظات الجنوبية، شأنها شأن ما سبقها من احتجاجات مطلبية خلال الفترة الماضية، لم تندلع استجابة لدعوات جهات سياسية، ولم تستثنِ في شعاراتها الغاضبة أياً من أطراف النفوذ في تلك المحافظات، بمن فيهم «الانتقالي» الذي يُنظر إليه كشريك في ما آلت إليه الأوضاع، إلا أن «المجلس» المحسوب على الإمارات، والذي حاول تصوير الاحتجاجات على أنها مُوجّهة حصراً ضد حكومة هادي، علماً أن الأخيرة هي الطرف الأضعف في المناطق الخاضعة لسيطرة «التحالف»، صعّد محاولاته الاستغلالية هذه بدعوة أطلقها أمس إلى التظاهر رفضاً لمشاورات جنيف، تحت عنوان «مقاطعة أي مشاورات أو مفاوضات يتم فيها القفز على تطلعات (الجنوبيين)، وتعمّد تغييبهم، وتهميش تاريخهم وإلغاؤهم».
وتأتي دعوة «الانتقالي» تلك بعدما رُفض طلبه المشاركة في المشاورات كمفاوض رئيس إلى جانب «أنصار الله» والحكومة الموالية للرياض. كذلك إن إصرار المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، على إشراك بقية الأطراف الجنوبيين المناوئين لـ«المجلس» كمراقبين في محادثات جنيف، أثار هو الآخر سخط «الانتقالي»، الذي يحاول اليوم «إظهار نفسه بأنه الجهة صاحبة الكلمة الشعبية الفصل في الجنوب، وأنه قادر على تحريك الشارع بكثافة»، وفق ما تقول مصادر متابعة. وبمعزل عمّا يحاول «الانتقالي» القيام به، فإن اتساع رقعة التظاهرات المطلبية، وتَرافقها مع مظاهر احتجاجية يُصطلح عليها في جنوب اليمن بـ«العصيان المدني»، من شأنهما أن يشكّلا عنصراً ضاغطاً على جدول أعمال مشاورات جنيف، التي تأمل «أنصار الله» أن تؤدي إلى سحب الورقة الاقتصادية من يد الجبهة الموالية لـ«التحالف»، التي أثبتت عجزها عن حماية المواطنين من تأثيرات الحرب حتى في المحافظات المُسمّاة «مُحرَّرة».
وعلى بعد ساعات من انطلاق الجولة التشاورية الجديدة في جنيف، استقرّت تشكيلة وفد صنعاء المفاوِض على 12 شخصاً، يرأسهم الناطق باسم «أنصار الله»، محمد عبد السلام، وفق ما جاء في قرار صادر عن رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، فيما سيرأس وفد الحكومة الموالية للرياض، المؤلّف من 14 شخصاً، وزير الخارجية في ما تُسمّى «الشرعية» خالد اليماني.