القاهرة | أزمة قضائية جديدة دخلت فيها الدولة المصرية بسبب ضعف موقف محامي الحكومة ممثلاً في «هيئة قضايا الدولة»، سواء في التفاوض أو القضايا التي لم تلتزم فيها القاهرة تعهداتها لأسباب مختلفة. الأزمة جاءت بعد صدور حكم هيئة تحكيم تابعة لـ«المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار» (الإسكيد) بإلزام القاهرة تعويض شركة «يونيون فينوسا جاس» الإسبانية بمليارين وثلاثة عشر مليون دولار على خلفية النزاع القضائي بين الأخيرة و«الشركة القابضة للغازات الطبيعية» التابعة لوزارة البترول المصرية جراء «إخلال الشركة المصرية بالتزاماتها عام 2012».

هذه المرة صدر الحكم لمصلحة الشركة الإسبانية، وذلك بعد مدة على صدور حكم مماثل لمصلحة شركة إسرائيلية للسبب نفسه، اضطرت على أثره القاهرة إلى تقديم تنازلات لتل أبيب والدخول في مفاوضات انتهت بتنازل الشركة الإسرائيلية عن التعويض الذي وصلت قيمته الى نحو 3 مليارات، مقابل تنازلات وتسهيلات من أجل تصدير الغاز الإسرائيلي عبر المحطات المصرية، وهو ما منح عملياً إسرائيل أكثر من قيمة التعويض المالي الذي تعجز السلطات المصرية حتماً عن سداده، ولا سيما من الفور.
أما تفاصيل القضية الجديدة، فتعود إلى توقيع الشركة المصرية تعاقداً عام 2000 ينص على التزام بيع كميات محددة من الغاز للشركة الإسبانية، بدءاً من تشغيل مصنعها في مصر عام 2005، وهو الاتفاق الذي أُخلّ به مطلع 2012 على خلفية الاضطرابات التي أعقبت «ثورة 25 يناير»، والعمليات التي كانت تستهدف خطوط الغاز في سيناء. لكن مصر رفضت تعويض «يونيون فينوسا جاس» ودياً عن الأضرار التي لحقت بها، ما ألجأها إلى «الإسكيد»، ثم استمر التحكيم نحو 4 سنوات، علماً بأن وزارة البترول أعلنت اتخاذ إجراءات للطعن.

سبق هذا الحكم حكمٌ سابق لمصلحة شركة إسرائيلية بـ 3 مليارات


وكانت الشركتان المتخاصمتان، المصرية والإسبانية، قد تشاركتا في «مصنع دمياط للإسالة» الذي يستخدم لتصدير الغاز (بلغت طاقته الإنتاجية 750 مليون قدم مكعب يومياً)، وهو أحد مشاريع الغاز العملاقة التي أطلقها الرئيس المتنحي حسني مبارك، واستمر العمل بها حتى بعد الثورة قبل أن يتوقف ليعاد تأهيل المنطقة حالياً وتكون مركزاً عالمياً لتصدير الغاز إلى أوروبا. ورغم أن الحكومة المصرية عللت الإخلال بالاتفاق بـ«الظروف القهرية» خلال الثورة، مستدلة بأنها التزمت ما عليها في السنوات السابقة، فإنها لم تستطع إقناع المحكمّين، وخاصة مع الاتهامات التي وجهت إلى «هيئة قضايا الدولة» ــــ محامي الحكومة ــــ بأنها أوكلت محامين غير كفوئين، رغم أنهم يتقاضون مكافآت كبيرة. مع ذلك، نجح المحامون في تخفيض قيمة التعويض المطلوب من 8 مليارات دولار إلى نحو مليارين، لكنهم كانوا قد وعدوا الهيئة بأن الطرف المصري لن يصل إلى مرحلة دفع التعويضات.
ورغم الحديث الرسمي عن إجراءات للطعن، فإن الواقع يكشف أن الحكم الصادر بالغرامة على الشركة المصرية واجب النفاذ ولا يمكن الطعن به أو تعطيل تنفيذه مطلقاً إلا بموافقة الشركة الإسبانية التي فشلت محاولاتها مراراً في الوصول إلى صيغة توافقية مع ممثلي الحكومة المصرية خلال اجتماعات جرت في ظل حكومات سابقة. جراء ذلك، طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي تقريراً عن القضية والخطوات التي اتخذت وتحديد آليات للتفاوض والخروج من الأزمة بأقل الخسائر، وخاصة أن الحكومة لم تتواصل مع الشركة الإسبانية رسمياً منذ صدور الحكم. يشار إلى أن مستشار الرئيس، شريف إسماعيل، كان قد شغل منصبي رئيس الوزراء ووزير البترول في مراحل سابقة، وهو سيكون ضمن اللجنة التي سيحاورها السيسي، بالإضافة إلى وزير البترول الحالي من أجل بحث الحلول.
ومن المقرر أن يعقد الاجتماع في قصر الاتحادية الأسبوع المقبل، لكن الحلول لن تتجاوز التفاوض من أجل تخفيض الغرامة وتسديدها على صورة كميات من الغاز المسال، مع محاولة إعادة التعاون بين الشركة الإسبانية، بما يحفظ الثقة لدى المستثمرين الأجانب، كي لا تتعرض الحكومة لعبء أكبر يضاف إلى الأزمات الحالية التي تنهش الاقتصاد المنهك من فوائد القروض.