يعود التنافس بين القوى الأوروبية ـــ إيطاليا وفرنسا بالتحديد ـــ في شمال أفريقيا إلى القرن التاسع عشر. على عكس بريطانيا وفرنسا، برزت إيطاليا كقوة استعمارية في وقت متأخر، حيث لم تبدأ غزواتها في القارة الأفريقية إلا بعد توحيد البلاد في عام 1871. ومع بداية التزاحم حول أفريقيا، رأت روما إقليمَي طرابلس وبرقة العثمانيَين، في حينها، كجزء من مجال نفوذها. وللسيطرة على المنطقتين ـــ اللتين ستعرفان لاحقاً باسم «الشاطئ الرابع» لإيطاليا ـــ وقّعت روما سلسلة من الاتفاقيات بين عامي 1900 و1902، اعترفت فيها بالسيطرة الفرنسية على المغرب الأقصى، مقابل تعهّد باريس بأنها لن تحاول الاستيلاء على الأراضي الليبية. في عام 1911، أطلقت إيطاليا غزواً لبرقة وطرابلس، وانتزعت في نهايته المنطقتين من الامبراطورية العثمانية.

سيطرت إيطاليا على الشاطئ الرابع حتى الحرب العالمية الثانية، وفي أعقابها قسّمت القوى المنتصرة ليبيا الإيطالية إلى ثلاث مناطق خاضعة للسيطرة الفرنسية والبريطانية. قلّصت موجة تصفية الاستعمار في أفريقيا خلال الخمسينيات والستينيات (استقلّت ليبيا في عام 1951) النفوذ الفرنسي والبريطاني، لكن احتفظت باريس بروابط عميقة مع ممتلكاتها الاستعمارية السابقة، وتستمرّ في لعب دور بارز فيها، خاصة في غرب أفريقيا.
أما إيطاليا، فقد حقّقت نجاحاً محدوداً في محاولاتها إعادة نفوذها في ليبيا، التي صارت منبوذة عالمياً خلال فترة حكم معمر القذافي. لكن عندما انفتح القذافي على الغرب في عام 2003، تودّد رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك، سيلفيو برلسكوني، للرجل القوي. وفي غضون عامين، افتتحت روما خط غاز «الدفق الأخضر» لجلب الغاز الطبيعي الليبي إلى إيطاليا. ثم، في 2008، وقّع برلسكوني والقذافي صفقة بقيمة 5 مليارات دولار، وافقت بمقتضاها إيطاليا على دفع تعويضات لليبيا عن الحوادث التي وقعت خلال الحكم الاستعماري، بينما وافق القذافي على المساعدة في وقف تدفّق المهاجرين الأفارقة الذين يصلون إلى ليبيا، ويحاولون الوصول إلى أوروبا عبر إيطاليا.
لكن سقوط القذافي غيّر المشهد. فمع انطلاق الحرب الأهلية بداية عام 2011، وجد برلسكوني نفسه متورطاً في فضيحة محلية أجبرته في آخر المطاف على الاستقالة. وبينما كانت إيطاليا خارج التغطية إلى درجة ما، تولّت فرنسا السياسة الأوروبية تجاه ليبيا، فتزعّمت تدخل حلف «الناتو»، الذي أدى إلى إزاحة القذافي في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2011. وأثار ذلك أيضاً الاستياء في روما، التي رأت أن تدخل فرنسا يمثل اغتصاباً لتأثير إيطاليا الطبيعي، ومحفزاً لسقوط البلاد نحو الفوضى.
ووسط الفوضى المنتشرة في ليبيا، انقسمت حكومة البلاد إلى إدارتين متنافستين في عام 2014، واحدة في طرابلس (في الغرب)، والأخرى في طبرق (في الشرق). حينها، صرفت الأزمات المحلية فرنسا وإيطاليا عن الشؤون الليبية، لكن بدأ البلدان الأوروبيان بالاهتمام مرة أخرى بجارهما الجنوبي في العامين الأخيرين. في باريس، سعى الرئيس إيمانويل ماكرون لإنعاش روابط فرنسا مع أفريقيا، ولعب دور أكبر في الشرق الأوسط، بينما أصبحت مسألة الهجرة في روما موضوعاً سياسياً مركزياً، ما قاد إلى صعود أحزاب أقصى اليمين، مثل «الرابطة» (رابطة الشمال سابقاً). ما زالت المنافسة بين القوتَين المتوسطيتَين شرسة، لأن كلتيهما لا تريد التخلي عن تأثيرها أو أهدافها.

فرنسا تبحث عن رجل قوي
رؤية فرنسا حول ليبيا واضحة: فهي ترى الحكومتَين المتنافستَين كأحد أكبر العوامل المساهمة في انعدام الاستقرار الإقليمي. جعل الصراع ليبيا «جنة» لمجموعات التهريب والإرهاب، ما أثر على استقرار المغرب والساحل ـــ غرب أفريقيا الفرنسي أساساً ـــ من خلال إغراق المنطقة بالأسلحة والمساهمة في صعود «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» وغيرها. وفي محيط ليبيا، أسهم انعدام الاستقرار في إثارة انتفاضة 2013 في مالي، التي أجبرت فرنسا على التدخل في نهاية المطاف. وتطرح ليبيا كذلك مخاطر أمنية جدية على جيرانها، الذين تفصلهم عنها حدود هشة، مثل تونس وتشاد والنيجر، وجميعهم حلفاء مقرّبون من فرنسا.
من المؤكد أن انعدام الاستقرار في ليبيا ليس المحرك الوحيد للعنف والإرهاب في تلك المناطق، لكنه مسهِمٌ رئيس. بناءً على ذلك، يتمثل مسعى باريس الرئيس في تجاوز النقص الأمني في ليبيا، وهي تعتقد أنه أمر زاد تعقيدَه وجودُ حكومتَين متنافستَين وقوات عسكرية منقسمة. بالنسبة إلى فرنسا، يمكن لجيش قوي تحت إدارة «الجيش الوطني الليبي» التابع للمشير خليفة حفتر أن يجعل أغلب البلاد تحت السيطرة. لتحقيق ذلك، أسّست باريس روابط وثيقة مع القائد العسكري الشرقي، وإن كان لذلك كلفته، إذ يتبنّى حفتر موقفاً متشدداً معادياً للإسلاميين في بلد محافظ بشكل كبير، لعبت فيه الأحزاب الإسلامية سابقاً دوراً كبيراً.
أخيراً، لا تريد فرنسا قبول تسوية لا تضع الميليشيات الليبية تحت سلطة رجل قوي يتبنّى أهدافاً معادية للإرهاب بشكل واضح. ومن خلال دفعها إلى إجراء انتخابات في أسرع وقت ممكن، تراهن باريس على قوة حفتر، على أمل أن يلعب الأخير دوراً قيادياً من الناحية الأمنية (قد يدفع المشير حفتر بحليف مقرّب له في الانتخابات أو يرشح نفسه). على أقل تقدير، ومن خلال ربط استراتيجيتها بحفتر، يمكن لفرنسا التركيز على هدفها الأساسي: كبح الإرهاب في أماكن مثل بنغازي وفزان (جنوب ليبيا).

طريق إيطاليا يتجه غرباً
طرحت إيطاليا حفتر من استراتيجيتها الليبية؛ حيث رأت روابط المشير الوثيقة مع فرنسا (هذا من دون ذكر روابطه مع مصر والخليج) كتقييد لنفوذها. علاوة على ذلك، تستوجب مقتضيات وقف تدفق المهاجرين، وتأمين إمدادات الغاز، والعلاقات الاقتصادية مع طرابلس ومصراتة، روابط وثيقة مع غرب ليبيا، حيث لا يتمتّع حفتر بشعبية، نظراً إلى انتشار الأحزاب الإسلامية، وذكرى القتال المكثف بين حفتر والميليشيات في تلك المدن خلال عامَي 2014 و2015.
وإن كانت روما منشغلة بالتطرف في ليبيا، واحتمال تحولها إلى حاضنة لشن هجمات على الأراضي الأوروبية، إلا أن اهتمامها الرئيس مرتبط بمسائل الاقتصاد والهجرة. من الناحية الاقتصادية، تتمتع إيطاليا بروابط تجارية عميقة مع طرابلس ومدينة مصراتة الساحلية المهمة، كما لها مصالح طاقوية عبر شركة «إيني» تنتشر على امتداد البلاد (ومن بينها أنبوب «الدفق الأخضر»)، وتقع مباشرة تحت تهديد حلفاء حفتر، الذين سعوا إلى إضعاف «المؤسسة الوطنية للنفط» المتركزة في طرابلس، من خلال بعث مؤسستهم الخاصة.
على واجهة الهجرة، يمثل غرب ليبيا نقطة الانطلاق الرئيسة لأغلب المهاجرين الأفارقة المبحرين صوب إيطاليا. فمنذ إطباق السلطات المحلية على المهاجرين الذين يستخدمون الطريق المتوسطية الشرقية لدخول أوروبا عبر تركيا، صارت الطرق المتوسطية الغربية والوسطى المصدر الأوسع للمهاجرين نحو القارة. لمحاربة ذلك، سعت روما إلى تقوية خفر سواحلها، ورَشْوِ الميليشيات الليبية الغربية المنخرطة في تجارة البشر، وأحيت أخيراً صفقة الخمسة مليارات التي وقّعها برلسكوني مع القذافي.
ولأن أغلب مصالح إيطاليا تمر عبر غرب ليبيا، لم يكن أمام المسؤولين الإيطاليين خيارات واسعة غير الحفاظ على الروابط العميقة مع طرابلس ومصراتة، وتبنّي مقاربة براغماتية إلى درجة ما تجاه نظرائهم المحليين، باعتبار أن الإسلاميين المتشددين ـــ وهم أناس يعتبرهم حفتر إرهابيين ـــ حاضرون في بعض ميليشيات المدينتَين. بناءً على ذلك، ترتبط استراتيجية روما الحالية بميليشيات طرابلس ومصراتة، وكذلك بحكومة فائز السراج المُعترَف بها دولياً. بالنسبة إلى إيطاليا، يهدّد إجراء انتخابات مبكرة ـــ قبل أن يتجاوز الليبيون خلافاتهم السياسية ـــ بإدخال طرابلس وضواحيها في دائرة عنف ستقوّض جميع مصالحها.

تأجيج الوضع
ما يفاقم سياسات البلدَين الأوروبيَين في ليبيا هو تشكيلة الضغائن الداخلية، والتحديات التي تجعل الوصول إلى حل أمراً مستحيلاً، خاصة في ظل التنافس الجيوسياسي الفرنسي ـــ الإيطالي. موقف حفتر المعادي للإسلاميين جعله مرفوضاً من الناحية السياسية في أغلب غرب ليبيا، أما ارتباط النخبة السياسية بالإسلاميين في غرب ليبيا فقد جعلها مبغوضة، لا فقط من قِبَل حفتر، بل كذلك من قِبَل داعميه المعادين للإسلاميين في القاهرة وأبو ظبي.
تلعب إيطاليا وفرنسا دوراً محورياً في دفع ليبيا تجاه إجراء انتخابات، لكن طموحاتهما الجيوسياسية ستبقي على الأرجح سياسة أوروبا تجاه ليبيا منقسمة. ستستمرّ فرنسا في دعم حفتر والدفع باتجاه إجراء انتخابات نهاية هذا العام، لكن استمرار إيطاليا في دعم حلفائها في غرب ليبيا ـــ وكثير منهم لا تضيف إليهم الانتخابات شيئاً، وتهدد كل ما يملكون ـــ يجعل احتمال إجراء انتخابات أو توحيد ليبيا أقلّ رجاحة من أي وقت مضى.
* ترجمة لجزء من تحليل نشره موقع مركز «ستراتفور» المختصّ في الصراعات الجيوسياسية