تدل المواعيد الدولية خلال الأسبوع المقبل، التي تضع ملف إدلب على رأس أجنداتها، على أن الجدل حول مصير منطقة «خفض التصعيد» سوف يبقى مفتوحاً لمدة إضافية. فمع انتهاء جولات التشاور في جنيف بين المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، وممثلي «الدول الضامنة» و«المجموعة المصغّرة» بشأن تشكيل «اللجنة الدستورية»، لم تخرج أي تصريحات تكشف أجواءها ولا توجهات أقطابها. ومن المنتظر أن يوجز دي ميستورا حصيلة هذه الجهود أمام مجلس الأمن خلال اجتماع مرتقب في الثامن عشر من الشهر الجاري، وفق ما صدر عن مكتبه.

وكان لافتاً أن المشاركة الأولى لاجتماع الفريق الأميركي الجديد المعني بالملف السوري في مشاورات رسمية مع الأمم المتحدة، إلى جانب نظرائه من الدول الحليفة للولايات المتحدة، استُبق بتسريب «ورقة مبادئ» جديدة تلخّص تصور «المجموعة المصغرة» لخريطة الحل السياسي في سوريا. هذه الورقة تتساوق مع سابقتها التي صدرت قبيل انعقاد «مؤتمر الحوار الوطني» في سوتشي (30 كانون الثاني/ يناير)، مع احتوائها تفاصيل إضافية في شأن علاقات سوريا الخارجية وطبيعة نظام الحكم وصلاحيات السلطات. يومها، استندت «هيئة التفاوض» المعارضة إلى التزام الورقة الأولى مسار جنيف خطاً وحيداً للتسوية، لرفض حضور «مؤتمر سوتشي»، قبل أن تعود بوساطة سعودية - تركية إلى قبول مخرجات المؤتمر وانتداب مرشحين لشغل عضوية «اللجنة الدستورية».
أما الورقة الجديدة التي أتت في وقت حساس، فيمكن قراءتها رسالة مهمة من الولايات المتحدة وحلفائها، مفادها أن الكباش حول إدلب يمكن أن يمتد إلى طاولة المحادثات في جنيف، وهو ما ورد مراراً على لسان مسؤولين أتراك، بقولهم إن من شأن التصعيد العسكري في إدلب تقويض «مسار الحل السياسي».
وضمن إطار السعي التركي في مسار التفاوض مع موسكو وإيران، الشريكتين في مسار «أستانا»، ينتظر أن يلتقي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في السابع عشر من الشهر الجاري في سوتشي، في موعد كشف عنه أردوغان في أعقاب «قمة طهران». حينذاك قال الرئيس التركي إنه يراهن على «وفاء» نظيره الروسي بوعده في شأن إعطاء فرصة لجهود «نزع سلاح التنظيمات الإرهابية» وعزلها عن «المعارضة المعتدلة» في إدلب.

يلتقي أردوغان نظيره الروسي بعد غد في سوتشي لبحث ملف إدلب


إلى جانب اللقاء المرتقب، استضافت إسطنبول أمس اجتماعاً رفيع المستوى بين ممثلين عن تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، لمناقشة الملف السوري تحضيراً لاجتماع محتمل على مستوى الرؤساء. وحضر الاجتماع من الجانب الألماني مستشار الأمن القومي للمستشارة أنجيلا ميركل، يان هيكر، في حين ترأس الوفد الفرنسي فيليبي اتينه، كبير المستشارين الديبلوماسيين للرئيس إيمانويل ماكرون، والوفد الروسي يوري أوساكوف، كبير مستشاري الرئيس فلاديمير بوتين. وأوضح المضيف التركي، الناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن، أن بلاده «تتوقع من جميع الأطراف (المشاركين) في الأيام المقبلة مواقف تساهم في التوصل لحل سياسي يزيل العقبات أمام ملف إدلب». وأشار قالن إلى أن أردوغان وجه مناشدات إلى موسكو وطهران بأن أي هجوم على إدلب ستترتب عليه «نتائج سياسية وديبلوماسية خطيرة».
وخلال الفترة الماضية، كثّف المسؤولون العسكريون الأتراك والروس اتصالاتهم في شأن هذا الملف، على حد ما أشار إليه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف. الأخير أوضح خلال زيارة إلى برلين التقى خلالها نظيره، هايكو ماس، أن قوات بلاده العاملة في سوريا سوف توفر «ممرات آمنة» للمدنيين لمغادرة مناطق سيطرة الفصائل المسلحة في إدلب ومحيطها «على غرار ما جرى في حمص والغوطة الشرقية وجنوب سوريا». ولفت في الوقت نفسه إلى أن عمليات القصف التي شهدتها خطوط التماس أخيراً لا تندرج في سياق التحضير لشن «عملية عسكرية»، بل جاءت رداً على «انتهاكات من جانب المسلحين». كما أكد أنه بالتوازي مع فتح المعابر والتواصل مع الفصائل الراغبة في المصالحات، سيستكمل استهداف مواقع التنظيمات الإرهابية «مع مراعاة عدم وقوع ضحايا مدنيين». وكان لافتاً أن الوزير الألماني ألمح إلى استعداد بلاده للمساهمة في عملية إعادة الإعمار «بعد التوصل إلى حل سياسي يقود إلى انتخابات حرة»، كما في ملف عودة اللاجئين.
أما على الأرض، وبينما تستكمل القوات التركية تدعيم نقاط المراقبة والمواقع الحدودية في محيط إدلب، شهدت المدن والبلدات ضمن منطقة «تخفيض التصعيد» تظاهرات رعتها «هيئة تحرير الشام» و«الجبهة الوطنية للتحرير» على حد سواء. وتولت وسائل الإعلام التركية الرسمية بالتعاون مع عدد من القنوات الغربية تغطيتها الإعلامية. وعلى رغم الحرص الشديد من جانب المنظمين على استخدام «علم الثورة» في التظاهرات لنفي ارتباطها بـ«تحرير الشام» التي باتت مصنفة إرهابية حتى في المنظور التركي، حضرت أعلام الأخيرة كما أنصارها في معظم الميادين التي استضافت تظاهرات الجمعة، لا سيما داخل مدينة إدلب. كذلك رفعت الأعلام التركية بكثافة من المتظاهرين، في إعادة لسيناريو التظاهرات التي شهدها ريف حلب الشمالي بعد عملية «درع الفرات».