قبل أشهر، غادر عيسى قاسم، أبرز المرجعيات الدينية في البحرين، البلاد، وتوجّه إلى لندن بعد سنتين من الحصار الأمني لمنزله، في تتويج لحملة قمع شنّتها سلطات المنامة ضد المعارضة في حزيران/ يونيو 2016. مع خروجه الدراماتيكي هذا، رغم إسقاط الجنسية عنه، انفتحت الأبواب على إمكانية خروج «الشيخ» من «حصار المواقف»، انطلاقاً من العاصمة البريطانية التي باتت مرتكزاً للمعارضة البحرينية منذ عقدين من الزمن.

ثمة معطيات عديدة تضع وجود عيسى قاسم، أكبر المرجعيات الدينية في البحرين، في لندن، محفوفاً بصفيح ساخن من المتغيرات المحتملة. مصادر مطلعة نقلت أن «الشيخ» تسلّم أخيراً رسالة مكتوبة مشتركة من «تيار الوفاء» و«حركة حق»، وهما جناحان معارضان يؤمنان بخيار إسقاط النظام في البحرين. وفيما امتنعت المصادر عن الكشف عن محتوى الرسالة، ذكرت أنها أكدت لقاسم الاستمرار في «موقف الثورة»، واعتبار الأخير «رمزاً للجميع». كذلك، أبدت «الاستعداد للتضحية» لِمَن يمثّل «عمقاً دينياً ووطنياً». يضع مراقبون رسالة «الوفاء» و«حق» في سياق مجهودات سابقة، وأخرى مقبلة، لترميم العلاقة مع قاسم، على وقع الانسداد التام في نفق الإصلاح من الداخل.
منذ شهر حزيران/ يونيو 2016، لم يستطع أبرز «زعيم روحي» للمعارضة البحرينية أن يظهر إلى العلن، أو أن يلتقي بأنصاره ومؤيديه مباشرة، حيث فرضت السلطات إقامة جبرية عليه في منزله ببلدة الدراز، شمال البلاد، امتدّت لأكثر من عامين، وبقوة الآليات العسكرية التي طوّقت مسقط رأسه، وأحكمت السيطرة على حركة الدخول والخروج. تعرّض قاسم، الذي قارب الثمانين من عمره، لأكثر من انتكاسة صحية في فترة الحصار، ولا سيما بعد الآثار الدموية التي أعقبت انقضاض قوات الأمن في أيار/ مايو 2017 على الاعتصام المفتوح الذي أقامه أنصاره بجوار منزله. في خلال فترة الفحص الطبي في البحرين، تبيّن أن قاسم يعاني من بوادر مرض عضال يستدعي، بحسب الأطباء، نقله عاجلاً إلى الخارج. لم يُعلَن للجمهور عن طبيعة المرض الذي تم اكتشافه، إلا أن «موجات الدعاء» التي عمّت البلاد أكدت أن هناك خطورة في التمهّل في التدخل العلاجي المناسب. وهكذا بدأت، وداخل الأبواب المغلقة، مساعٍ أخرى لتسهيل سفره إلى الخارج من أجل العلاج.

تسلّم قاسم رسالة مكتوبة مشتركة من «تيار الوفاء» و«حركة حق»


كان واضحاً أن أي خطوة من هذا القبيل تحتاج إلى معالجات معقّدة واستثنائية. العائق التقني الظاهر هو أن قاسم سُلبت منه «المواطنة»، ولا يحمل جواز سفر صالحاً. شكّل هذا العائق منطقة التجاذب من الناحية اللوجستية، إلا أنه انطوى على كل الهواجس التي اشتغلت في الوسطين السياسي والشعبي على حدّ سواء، ليس لجهة إمكان تسهيل خروج الرجل وسفره، وإنما فيما إذا كان ذلك في الأصل «حيلة معدّة» أو مخرجاً تم الاتفاق عليه مسبقاً لإضفاء غطاء مقبول لـ«تسفير» قاسم ونفيه، وهو الإجراء الذي كان يُلوَّح به، ويَلُوح، منذ إسقاط الجنسية عنه في حزيران/ يونيو 2016. عند هذا المنعطف، ظهر رجل الدين البارز، عبد الله الغريفي، بوصفه معنياً مباشرة بتوفير التسهيلات تحت ضغط القلق على صحّة قاسم، وانطلاقاً من حجم العلاقة الوطيدة بين الرجلين، والتداخُل التاريخي والرمزي بينهما. لم يكن الغريفي بحاجة إلى إحداث نقلة «صادمة» في خطابه العام لكي يُعجّل من موافقة السلطات على سفر «الشيخ» للعلاج. فقد أرسى الغريفي، قبل ذلك، خطابَه الخاص باتجاه المصالحة مع الوضع القائم، ومهّدَ الطريق في القفز على «الأزمة» المستفحلة في البلاد، وإعادة تحريك الجهود المجمَّدة للتقارب مع السلطة. وبفضل دعواته إلى امتصاص تداعيات ما بعد شباط/ فبراير 2011، مُنح الغريفي الموافقة على سفر قاسم الذي أراده خطيبُ جامع القفول أن يكون «مبادرة إنسانية» من أعلى هرم السلطة في البحرين، ومن غير تحميلها بأي مدلول سياسي، وهو ما تنافس البعض، من محيط الغريفي وقاسم على تعميمه وبأكثر من طريقة.
يشكّل قاسم رأسمالاً رمزياً لكل المعارضين في البحرين. وفي حين جرى تأسيس علاقة مرجعية تجمع بين «الشيخ» و«جمعية الوفاق»، الجمعية المعارضة الأكبر في البلاد التي تم حلّها في حزيران/ يونيو 2016م، إلا أن الرجل ظلّ يحيط بالدور «الأبوي» بقية المشهد المعارض، وخصوصاً من الطيف الآخر الذي تشكّل مع خروج عبد الوهاب حسين وحسن مشيمع من «الوفاق»، وقد كانا من أهم مؤسّسيها في 2001. وكان حرص «الوفاقيين» دوماً على تحديد حدود «الاستملاك العام» مع «الشيخ»، ولذلك أبدت بعض أوساط «الوفاق» التحفظ على اللقاءات الخاصة التي جمعت قاسم مع قيادات وكوادر من «تيار الوفاء الإسلامي» الذي أسّسه عبد الوهاب حسين في 2009، و«حركة حق» التي أسّسها مشيمع في 2006.
عندما وصل قاسم في تموز/ يوليو الماضي إلى مطار هيثرو في لندن، كان في انتظاره المعارض البحريني المخضرم سعيد الشهابي، وثلة أخرى من النشطاء. فوجئ الجميع بأن «الشيخ» غادر المطار من بوابة خاصة، حيث استقلّ سيارة الإسعاف ونُقل مباشرة إلى المستشفى اللندني الذي يعالج فيه. فُهم أن هناك استمراراً في مساعي «الامتلاك الحصري» لقاسم وتطويقه بعيداً عن «الثوريين». حرّك الشهابي (وهو يتسلح برمزيته وبعلاقته التاريخية الأقدم بقاسم) المياه الراكدة، وتحدث عن مشروع لمنع قاسم من العودة إلى البحرين. وذهب القيادي في «حركة أحرار البحرين» إلى أن هذا المشروع لم تكن السلطة الطرف الوحيد فيه، ليفتح عليه سيلاً من الانتقادات اللاذعة.
وقد نجح الشهابي، مع الوقت، في أن يتجاوز هذه الموجة، وكان للقاءاته المتكررة مع قاسم في لندن، وخصوصاً بعد خروج الأخير من المشفى في 22 آب/ أغسطس الماضي، سهم في إعادة تعريف الأشياء والأسماء، وعلى نحو مهّد لزيارة المجلس العاشورائي، السبت الماضي، والذي تقيمه «دار الحكمة» في لندن، وهي مقر تجمع الجالية البحرينية، وكانت مكاناً تاريخياً لانطلاق «حركة أحرار البحرين» التي توصف بأنها معارضة «ثورية» ترفض المصالحة مع السلطة، بالمقارنة مع الأفق السياسي «المعتدل» للجمعيات السياسية.
على مدى تاريخه العريق، والمليء بالمنعطفات، حافَظ عيسى قاسم على ضمان الخروج بالنهايات غير المتوقعة. وهو إذ يخوض مجدداً تجربة الربط بين قوى المعارضة، فإنه سيكون بين عائقين، الأول مرضه الذي ينتظر الكثيرون انتصاراً شخصياً عليه، والآخر مرض السلطة الذي لا يزال علاجُه عسيراً، وخارج التفاؤلات.