حوّلت حادثة سقوط الطائرة العسكرية الروسية وسط اعتداء صاروخي طاول مواقع سورية قرب اللاذقية، الاهتمام عن اتفاق إنشاء منطقة «منزوعة السلاح» في محيط إدلب. الاتفاق الذي لقي ترحيباً واسعاً من قبل عديد من الأطراف الدولية المعنية بالملف السوري وتشكيكات من أطراف أخرى، يضع الإطار العام لتحييد العمليات العسكرية والحفاظ على «خفض التصعيد». وتكشف النسخة المسرّبة من مذكرة التفاهم العسكرية الروسية - التركية الخاصة بتنفيذه، تفاصيل لافتة. إذ تشير صياغة البنود الخاصة بإنشاء المنطقة «منزوعة السلاح» إلى أن حدودها والبلدات والمناطق التي تدخل ضمنها، ستحدد لاحقاً بشكل تفصيلي بعد جولات من المشاورات. كما أنها توضح أن تلك المنطقة تمتد على عرض يتراوح بين 15 و20 كيلومتراً «داخل منطقة خفض التصعيد»، وهو ما يدل إلى أن كامل المنطقة يقع ضمن مناطق سيطرة الفصائل المسلحة فقط، ولا تشمل إجراءاتها أياً من نقاط الجيش السوري وحلفائه في محيطها. ويخالف هذا التفصيل عدداً من القراءات الأولية التي افترضت أن المنطقة تشمل مناصفة، مناطق سيطرة الجيش السوري والفصائل المسلحة، على حد سواء. واللافت أن الوثيقة لا تتضمن أي بند يخصّ المناطق أو القوات أو المصالح الحكومية، أو يطلب أي انسحابات من بعض الجبهات ولا تخفيضاً في التواجد العسكري أو الخطوط الدفاعية القائمة.
بدأ نشر «منظومات رقابة إلكترونية متطورة» في قاعدتي حميميم وطرطوس


ولعل أبرز تبعات إعلان الاتفاق، هو الموقف الرافض له من قبل العديد من «الشخصيات الجهادية» المؤثرة في منطقة إدلب ومحيطها. الأصوات التي تحدثت ضد الاتفاق بما يتضمنه من سحب للسلاح الثقيل وانسحاب من أهم الخطوط الدفاعية المحصنة لسنوات، توزعت بين تيار داخل «هيئة تحرير الشام» وبين التنظيمات المحسوبة على «القاعدة»، وعلى رأسها «حراس الدين». وتشير المواقف الأخيرة لعدد من الوجوه «الجهادية»، مثل بلال خريسات، إلى توجه واضح بمخالفة الرؤية التركية بما يقطع الطريق أمام القنوات التي حاولت أنقرة فتحها مع «حراس الدين» أخيراً. وهو ما بدا واضحاً في إدراج علم تركيا، مع بقية أعلام الدول «العدوة» للتنظيم في آخر إصدار خرج عن خريسات. وبالتوازي، فإن رفض جناح داخل «تحرير الشام» للمشي في ركاب تركيا، جاء مسنوداً بموقف «شرعي» من «القاعدة»، وهو ما سيعزز التباين مع جناح أبو محمد الجولاني ويشجع الشريحة الواسعة ذات الهوى القاعدي على اتخاذ خيارات مختلفة، قد تصل إلى الانشقاق عن «تحرير الشام». ويمكن أن تلجأ الأخيرة إلى احتواء هذا التيار عبر تبني موقف رسمي يرفض الانخراط في الاتفاق، ولو شكلياً، تجنباً لانشقاقات داخلية قد تكون أحد الحلول الملائمة لأنقرة، التي باتت ملزمة بحلّ «تحرير الشام» بشكل أو بآخر.
وفي انتظار مفاعيل هذا الرفض وتأثيره في سير الاتفاق المحدود بمدة زمنية ليست بطويلة، تتجه الأنظار إلى موسكو بحثاً عن تفاصيل إضافية خاصة بحادثة سقوط الطائرة العسكرية، وتبعاتها المحتملة. وكان لافتاً أمس في هذا السياق، إعلان نائب رئيس الوزراء الروسي بوريسوف، أنه سيتم نشر «منظومات رقابة إلكترونية متطورة» في قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين، في أول ترجمة لتعهد الرئيس فلاديمير بوتين، بتحسين مستوى الأمن للعسكريين والمنشآت الروسية في سوريا. وعلى رغم تأكيدات من أوساط إسرائيلية أن الحادثة لن تؤثر في الضربات الجوية ضد مواقع في سوريا، بل ستعزز عمليات التنسيق الروسي- الإسرائيلي، فقد برز أمس قيام البحرية الروسية بإعلان مناطق واسعة من المياه الدولية المحاذية للمياه الإقليمية السورية واللبنانية، مناطق عسكرية يحظر الطيران فيها تحت ارتفاع 19 ألف قدم حتى السادس والعشرين من الشهر الجاري، مبررة ذلك بأنها ستجري تدريبات عسكرية تتضمن إطلاق صواريخ. وتزامن الإعلان الروسي مع وصول بعض قطع البحرية الأميركية إلى منطقة عمليات «الأسطول السادس» في البحر المتوسط. ووفق آراء بعض الأوساط التي تتابع حركة الطيران والقطع البحرية، فإن الإجراء الروسي يقطع الطريق أمام استهداف جوي إسرائيلي جديد لمنطقة الساحل السوري، أو يصعّب المهمة، لأن تحليق الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع أعلى من 19 ألف قدم (نحو 5.7 كيلومتر) يزيد من فرص استهدافها من قبل منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى، مثل «S-200» والنسخ الأكثر تطوراً. ويتقاطع هذا الرأي مع تفصيل أوردته وزارة الدفاع الروسية في بيانها حول سقوط الطائرة، يقول إن المقاتلات الإسرائيلية خالفت الإجراءات المتبعة للعمل في الأجواء السورية، واستخدمت الطائرة «IL-20» كغطاء، على رغم أنها انخفضت إلى ما دون مستوى 5 كيلومترات.



الأسد يعزي بوتين
أرسل الرئيس السوري بشار الأسد، برقية تعزية إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، معزياً بالعسكريين الروس الذين كانوا على متن الطائرة العسكرية. وأوضحت البرقية أن «هذه الحادثة المؤسفة هي نتيجة للصلف والعربدة الإسرائيلية المعهودة والتي دائماً ما تستخدم أقذر الوسائل لتحقيق أهدافها الدنيئة وتنفيذ عدوانها». وقال الأسد فيها: «نحن على أتمّ الثقة بأن مثل هذه الأحداث المفجعة لن تثنيكم وتثنينا عن مواصلة مكافحة الإرهاب الذي تمتزج في سبيلها دماء عسكريينا وعسكرييكم الأبطال، وآخرهم شهداء طائرة إيل 20».