عمان | لا يكاد يخلو يوم إلا وتغطي وسائل الإعلام الأردنية أخبار الحكومة التي دخل رئيسها «بقدمه اليمنى» رئاسة الوزراء على الدوار الرابع، حيث كانت الاحتجاجات مشتعلة قبل أشهر، مقدّماً خطوةَ حسن نية بسحب مسوّدة قانون ضريبة الدخل المعدل من مجلس النواب، مع تعهدات بفتح حوار وطني (كما جاء في خطاب التكليف للحكومة من الملك) لإنجاز مشروع آخر يكون أكثر عدلاً ويراعي الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل، والفئة الدنيا من الطبقة الوسطى. لكن ذلك انتهى إلى صيغة أقرها مجلس الوزراء بانتظار إرسالها إلى مجلس النواب، وهي صيغة قدمت طُعماً بخفض بعض الضرائب على سلع محدودة ورفع طفيف للضرائب على البنوك، مع خفض نسبة الإعفاء المشمولة بضريبة الدخل.

قبل ذلك، كان الحديث عن قانون يتماشى مع مبدأ توزيع العبء الضريبي على الفئات القادرة على الدفع، بجانب محاربة التهرب والتجنب الضريبي، لكن خيبة كبيرة حلّت على الأردنيين عندما نشرت الحكومة تصورها الذي جاء محاكياً للمسوّدة المسحوبة. وتمحورت الأنباء التي رافقت الساعات الأخيرة قبيل نشر مشروع القانون حول خلاف بين الفريق الوزاري الاقتصادي من جهة، و«صندوق النقد الدولي» من جهة أخرى، المتمسك بالقانون المسحوب. جراء ذلك، قدمت الحكومة الحالية، وهي صاحبة أعلى رقم في التصريحات والتوضيحات على التصريحات، روايات ملتبسة للعلاقة مع «النقد الدولي»، فبينما نفت المتحدثة الإعلامية جمانة غنيمات أن تكون عمّان قد خضعت لضغوط الصندوق، قال رئيس الوزراء عمر الرزاز، في مقابلته الأخيرة يوم الجمعة إن «سياسة الدول مصالح، وكل الدول وفق حجمها وتأثيرها تمارس ضغوطاً... بهامش تستطيع فيه المناورة والتفاوض».
ومع أن الرزاز رجل اقتصاد ودوره السياسي محدود، خصوصاً في الشأن الفلسطيني، فإنه أضاف إلى كلامه التعليق التقليدي عن فلسطين، ولا سيما الحديث عن «حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس»، لكنه أقرّ بوجود ضغوط تربط الملف الخارجي وتخلط السياسي بالاقتصادي. هذا الربط لا يُفهم بعيداً عن إشارة إلى «ثمن اقتصادي» سيدفعه الأردن، لذلك وجّه رئيس الوزراء رجاءً إلى مجلس الأمة، بشقيه النواب والأعيان، أن يتطلعوا إلى الموضوع بالمسؤولية التي يتطلبها، لأن هناك قروضاً خارجية مستحقة العام المقبل ومرتبطة بحصول المملكة على منح ومساعدات مشروطة ببرنامج التصحيح الاقتصادي مع صندوق النقد، وهو ما يؤثر بتصنيف الأردن الائتماني.
ويبدو أن رجاء الرزاز غير المبرر (لأن ليس هناك تاريخ «ثوري» تحت قبة البرلمان لرد قوانين حساسة من هذا النوع) مرتبط بالخروج من مأزق تصريح لنائبه رجائي المعشر، انتشر كالنار في الهشيم، حين قال إن «النقد الدولي» طلب من الحكومة أن يوافق مجلس النواب على مسودة مشروع قانون ضريبة الدخل بصيغته الحالية. وقانون الضريبة الآن هو الشغل الشاغل في المملكة التي تأكل مديونيتها أكثر من 95% من الناتج المحلي. ورغم حديث الحكومة «الدافئ» وصعود أعضائها على منابر عامة أو حضورهم لقاءات على مستويات شخصية، فإن شهر العسل بين «المتفائلين» والحكومة ينقضي، ولا سيما أن الصيغة الجديدة للقانون لم تغير حقيقة ما سيدفعه المواطنون. وقد تكون الطريقة التي استقبلت بها الوفود الوزارية القادمة للترويج لقانون الضريبة مؤشراً على تراجع صدقية الحكومة، ليس لدى المواطنين فحسب، بل هناك أطراف في الدولة لا تتفق مع سياسية الرزاز، وقد أذكت نار الغضب في اللقاءات التي فشلت في غالبيتها، مع أن الحضور ليس عاماً، بل كان محصوراً بمدعوين منبثقين من هيكلية كل محافظة، التابعة بدورها لوزارة الداخلية مباشرة.
في المقابل، أبدت الحكومة تفهمها للرفض الذي واجهته في المحافظات، وعزت ذلك إلى أزمة ثقة نتيجة «خلل متراكم من التشكيلات السابقة». هذا على الجانب الاقتصادي، أما سياسياً، فإن أي حديث رسمي عن إصلاح لا يزال يٌقابل بالحديث عن تنفيذ للرؤية الملكية بهذا الخصوص، التي أوردها عبد الله الثاني في أوراق نقاشية. وحالياً، يتفق الجميع مع الحكومة على أن عنصر الوقت مهم لكي تنجز ما عليها، لكن المساعدات الدولية والإقليمية تناقصت وصارت مشروطة، خاصة أن «قمة مكة» التي عقدت لمساعدة الأردن في الخروج من أزمته لم تؤدِّ إلى نتائج واضحة، فضلاً عن التكتم الشديد على نسبة الفقر غير المعلنة. وقريباً سيناقش مجلس النواب قانون الضريبة، وعلى الأرجح أنه سيقر لأنه مقدّم من حكومة جاءت لإدارة الدين، لا لإصلاح النهج.