مساء أول من أمس، وُقّع في ضاحية القره بولي، شرق طرابلس، ما يمكن أن يُطلق عليه «اتفاق مصالحة»، تمثّل طرفاه في وفد عن «مجلس قبائل ترهونة»، ترأسه الحاج صالح سالم الفاندي، و«المجلس الأعلى للمصالحة في طرابلس الكبرى»، برئاسة الصيد علي قدور، ورعاه وزير الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني»، عبد السلام عاشور.

لم يمضِ وقت طويل حتى تبينت تفاصيل الاتفاق. من الناحية الإجرائية، توضّح أن المتحاورين اجتمعوا في بداية الأمر، يوم الجمعة الماضي، أي تحت وقع الاشتباكات التي استمرت أيضاً أياماً بعد ذلك، ويمكن اعتبارها محاولة أخيرة لحسم المعركة. أما على مستوى المضمون، فقد جاء الاتفاق في 6 بنود، لا تبتعد كثيراً عن محتوى اتفاق وقف إطلاق النار، الذي رعته الأمم المتحدة في مدينة الزاوية، لكنه أكثر تفصيلاً ودقة.
التزم الطرفان تثبيت وقف إطلاق النار، وإصدار ثلاثة بيانات في الغرض (عن مدينتي ترهونة وطرابلس ووزير الداخلية). وتعهد وفد ترهونة بالاتصال بصلاح بادي، آمر «لواء الصمود»، الذي شاركهم في الهجوم على العاصمة، وإقناعه بالاتفاق، فيما تعهد وفد طرابلس بالاتصال بعبد الغني الككلي، آمر «قوات الردع المشتركة – محور بوسليم»، ضمن الإطار نفسه. واتفق الطرفان أيضاً على عدم القبض على الأشخاص وخطفهم بناءً على هويتهم، ونشر خطاب تهدئة وتسامح. أما البندان الأكثر أهمية، فيتعلقان بتشكيل وزير الداخلية قوة مشتركة من مديريات أمن طرابلس وترهونة وضاحية بن غشير، بمشاركة ضباط شرطيين من المنطقة الغربية، بشرط انتمائهم إلى وزارة الداخلية في فترة سابقة لعام 2011، ثم دخول وفد ممن شاركوا في المصالحة إلى مناطق الاشتباكات، للإشراف على عملية انسحاب القوات وعودتها إلى مقارّها السابقة.
لكن رغم ذلك، يبدو هذا الاتفاق مبدئياً وليس نهائياً، إذ يقفز على مسائل محورية، قد تمثل مستقبلاً ثُغَراً لعودة الاشتباكات. ولفهم تلك المسائل بنحو أفضل، يجب العودة إلى دوافع الهجوم وأهدافه، ومقارنتها بالترتيبات التي وردت في نص المصالحة.
ما الذي حصل ولماذا؟
بداية، يجب فهم طبيعة القوات التي هاجمت العاصمة، وهي «اللواء السابع مشاة» و«لواء الصمود». تأسس «اللواء السابع» بقرار من وزير الدفاع السابق، العقيد مهدي البرغثي، في الـ7 من شباط/ فبراير العام الماضي، ثم قرر رئيس الحكومة، فائز السراج، نقل تبعيته إلى «الحرس الرئاسي» في نهاية الشهر نفسه، وحُددت منطقة عمله في جنوب طرابلس.

يقفز الاتفاق على مسائل محورية قد تمثّل ثغراً لعودة الاشتباكات مستقبلاً


ينحدر ضباط «اللواء السابع مشاة» وجنوده من مدينة ترهونة، ولهم ارتباط وثيق بميليشيا تسمى «الكانيات»، نسبة إلى عائلة الكاني التي تقودها، والتي تسيطر على المدينة سيطرة كاملة، بتنسيق مع مجلس قبائلها وبلديتها. وتُعَدّ ترهونة من المدن القليلة التي تسيطر عليها قوة عسكرية واحدة، وتحظى بدعم سياسي وشعبي واسع داخلها. وجاء تأسيس «اللواء» رسمياً، ثم نشره في بعض أحياء جنوب طرابلس، بناءً على انحدار عدد كبير من العائلات القاطنة هناك من ترهونة، إضافة إلى انضباط عناصر «الكانيات»، الذين انتمى عدد كبير منهم إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية في زمن حكم معمر القذافي. لكن قرار الجهات الرسمية هذا، هو ما سيؤدي إلى بروز أول التوترات في المنطقة، حيث قاد السلوك التوسعي للميليشيات الطرابلسية الكبرى (وهي تتبع وزارتي الداخلية والدفاع اسمياً)، إلى حل «اللواء السابع مشاة» في شهر نيسان/ أبريل هذا العام، وحُلّت كذلك ألوية أخرى تتبع جهاز «الحرس الرئاسي».
استمرت الحملة على «الحرس الرئاسي» في الأشهر الموالية، إذ تعرضت مقراته للهجوم، وجُردت قواته من أسلحتها في مناسبات عدة، من دون رد فعل رسمي، وتعرض آمر الجهاز، اللواء نجمي الناكوع، إلى حملة واسعة تتهمه بالفساد، وقد اقتُحِم منزله وسُرق في شهر أيار/ مايو. لم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل تسربت أخبار عن اقتحام قوات تابعة لآمر «كتيبة ثوار طرابلس»، هيثم التاجوري، لمنزل السراج نفسه في شهر حزيران/ يونيو، احتجاجاً على تمكينه «الحرس الرئاسي» من حماية مقار رسمية، وتوسيع دوره الأمني.
وفي المحصلة، يمكن القول إن كل ذلك مثّل تراجعاً من حكومة «الوفاق» أمام عنف ميليشيات طرابلس، وسعيها إلى الهيمنة، وتغوّل مصالحها الاقتصادية والسياسية، وفشلها رسمياً في بناء جهاز أمن محترف مكون من مختلف مناطق البلاد.
وجاء هجوم «اللواء السابع مشاة» بناءً على تلك المعطيات، ومرتكزاً على منطق جهوي مضاد. ففي أحد أول البيانات التي أصدرها، برر «اللواء» الحملة على طرابلس بالقول إنها «جاءت تنفيذاً للنداءات المتكررة من القاطنين في منطقة خلة الفرجان، امتداداً إلى منطقة صلاح الدين، لتصحيح المسار والقضاء على (تلك) التي جعلت المنطقة وكراً، والتخلف من ميليشيات جاثمة عليها... وتفشي الجريمة، والحرابة، والسطو، والتعدي على المواطنين، الذين هم جزء من مكون ترهونة الإجتماعي».
وإن كان «اللواء السابع» متشبثاً بتبعيته لحكومة «الوفاق» في بياناته، فإن الأمر مختلف في ما يخص «لواء الصمود». ينحدر الأخير من مدينة مصراتة، ويقوده صلاح بادي، الذي تزعم في عام 2014، عملية فجر ليبيا، التي قامت لـ«تأمين العاصمة» من تمدد «عملية الكرامة»، ونفوذ زعيمها المشير خليفة حفتر. كان بادي موالياً لحكومة «الإنقاذ» ورئيسها خليفة الغويل، ورفض اتفاق المصالحة الموقع في مدينة الصخيرات نهاية عام 2015، لكنه قال في حوار قبل نحو عامين إنه «انسحب من المشهد بطلب من سياسيين».
لا يؤمن بادي إذاً بحكومة «الوفاق الوطني»، بل يؤمن بمشروع صدامي مع حفتر، وإقصاء كليّ لأتباع القذافي. كذلك لا يسعى الرجل لهيمنة جهوية، فمدينته مصراتة تسيطر بالفعل على كثير من مفاصل الدولة في طرابلس، أهمها «المؤسسة الوطنية للنفط» و«مصرف ليبيا المركزي». ركز «لواء الصمود» خلال مشاركته في الهجوم، على استعادة سيطرته على «مطار طرابلس الدولي»، الذي سبّب تدميره أثناء عملية «فجر ليبيا»، لكن هدفه هذا لم يتحقق، بسبب المقاومة الشرسة التي لقيها من «قوات الردع المشتركة - محور أبو سليم» والميليشيات المساندة لها. وفي الأيام الماضية، انسحب بادي من «معسكر النقلية» الذي غنمه، متذرعاً بالحفاظ على قواته، فخروج من المعادلة مؤقتاً، ومن المرجح أنه سيرضخ لاتفاق المصالحة الموقع أول من أمس، خاصة أن تحالفه مع «اللواء السابع» مرحليّ، ويفتقر إلى أسس صلبة.
اليوم، بعد انتهاء المعارك، حقق المهاجمون جزءاً من أهدافهم، وأهمها نشر قوات مشتركة، من ضمنها تشكيلات من مدينة ترهونة، في جنوب طرابلس، وبالتالي تحجيم نفوذ ميليشيات طرابلس، وخلق منطقة عازلة بينهم وبين ترهونة (تبعد بضع عشرات الكيلومترات إلى الجنوب). كذلك دفع الهجوم بعثة الأمم المتحدة إلى الاعتراف بأن حكومة «الوفاق» صارت رهينة لدى الميليشيات الطرابلسية، ما يمثل مقدمة لتغيير الوضع. أما حكومة السراج نفسها، فقد أقدمت على سنّ إصلاحات اقتصادية، تهدف في جزء منها إلى ضرب المصالح المالية للميليشيات، وبدأت في التخطيط لتطبيق الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق الصخيرات، وأهمها «انسحاب التشكيلات المسلحة من المدن، والتجمعات السكنية، والمنشآت الحيوية (نحو) مناطق التجمع المحددة لها خارج المدن».
لكن تبقى الوضعية القانونية لـ«اللواء السابع» موضوعاً مغيباً من اتفاق المصالحة، وتبقى قدرة الحكومة على تطبيق الترتيبات الأمنية مسألة يشوبها كثير من الشك، مع أنها تحظى هذه المرة بدعم قوي من البعثة الأممية، وسلاح العقوبات الدولية.