طال أمد الحرب في سوريا، حتى أصبح ما هو متوقع في التحليل، واقعاً؛ أنظروا إلى الصراع الدموي بين الفصائل الطائفية والتكفيرية الإرهابية، على اختلاف تسمياتها، إنها صورة واقعية عما كان سيكونه مصير سوريا لو تمكّنت قوى العدوان من ضرب جيشها واسقاط دولتها. أفغانستان أخرى... مَن يريدها اليوم غير الجنون السعودي؟


سندع الإرهابيين يتصارعون حتى الموت، بينما يعود الجيش العربي السوري إلى تأمين مطار حلب! وسنترك أولئك الذين أرسلتهم الرياض لتمثيل «المعارضة السورية»، في «جنيف 2»، يواصلون أدوار الكومبارس الكوميدية! ونلتفت إلى الأهم:
ــــ لم تعد الجماعات المسلحة تشكّل تهديداً للنظام والجيش في سوريا،
ــــ ولم تعد الحرب الإمبريالية واردة،
ــــ ولم تعد هناك معارضة سياسية ذات وزن أو صدقية، في مواجهة نجاح الدولة الوطنية السورية في الصمود والصلابة والاستمرارية.
إنما، في المقابل، سوريا جريحة، موجوعة، ومعظم السوريين في وضع مأساوي. وقد آن الأوان لكي يكون انتشال السوريين من وهدة الحرب وشظف الحياة اليومية، هو عنوان المرحلة المقبلة؛ من البدهي، بالطبع، استمرار الكفاح البطولي للقوات المسلحة، إنما المطلوب اليوم: المزيد من المصالحات الموضعية، المزيد من الخدمات والأغذية والأدوية، والأهم الشروع في تنفيذ خطة مستعجلة وكفؤة ودينامية، لاسترداد اللاجئين السوريين إلى مراكز إيواء انسانية في المناطق الآمنة في البلاد؛ ينبغي التخلص من ظاهرة المخيمات السورية في تركيا والأردن، واللجوء العشوائي في لبنان والبلدان الأخرى.
لديّ الثقة بأن مؤسسات الدولة السورية تتمتع بالقدرة، بمساعدة الحليفين الروسي والإيراني، على تأمين مستلزمات عودة كثيفة للاجئين السوريين من الخارج؛ يتطلب ذلك صدور قرار سياسي حازم، واستعدادات، ومفاوضات مع دول اللجوء، وحملة إعلامية وسياسية وتنظيمية، واسعة النطاق، تنطلق، في آن واحد، من استثارة الروح الوطنية، وتقديم البدائل الإنسانية.
الشروع في هذه الخطة، وتنفيذها بكفاءة، واجب أساسي من واجبات الدولة الوطنية إزاء مواطنيها. وهي لا تشكّل، فحسب، ضرورة إنسانية؛ لقد باتت اليوم ضرورة سياسية بامتياز: أولاً، لتعزيز إعادة بناء الاجماع الوطني السوري حول خيار الدولة الوطنية المدنية. ثانياً، لوقف عملية الابتزاز والتحريض التي تمارسها عواصم وقوى معادية لسوريا. ثالثاً، لادماج العائدين السوريين في العملية السياسية، خصوصاً لجهة المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي لا بد لها أن تكون محطة تاريخية لبناء الشرعية السياسية الانتخابية الديموقراطية لنظام الحكم في سوريا الجديدة.
ولعل تصميم وتنفيذ خطة وطنية إنسانية لاستعادة اللاجئين السوريين، ومداواة جراح المناطق، والتخفيف من المعاناة المعيشية لأغلبية المواطنين، تكون مساحة رحبة للقاء بين النظام وقوى المعارضة الوطنية، بما يسمح للطرفين بالتعاون الإيجابي في مجال انساني واجتماعي وطني، ربما يشكل، لاحقاً، منطلقاً عملياً للتوصل إلى تفاهمات سياسية.