جنيف | هذه المرة، بدأ رئيس الائتلاف السوري المعارض احمد الجربا خطابه بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». في أروقة جنيف، يقال ان السفير الاميركي في دمشق، روبرت فورد، «الراعي الرسمي» لـ «الائتلاف السوري»، تدخّل بثقله محاولاً إقناع الجربا بعدم التلفظ بالبسملة في بداية كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «جنيف ٢»، اول من أمس. أمس، قالها الجربا، بثقة، امام نحو ١٠٠ صحافي حُشروا في احدى قاعات فندق في جنيف. كان ينبغي ان يعقد الرجل مؤتمره الصحافي، اول من أمس، في المركز الإعلامي في مونترو.


لكنه «حرد»، وقرّر ارجاءه. اما أسباب «الحرد»، فعائدة الى ان من سبقه على منصة قاعة المؤتمرات في المركز، أطال مدة مؤتمره الصحافي اكثر مما هو مسموح له. ومن سبق رئيس «الائتلاف» كان مندوب سوريا في الامم المتحدة، بشار الجعفري.
مضمون مؤتمر الجربا كان مفاجئاً أمس. حتى بعض الصحافيين المعارضين للنظام السوري لم يكونوا راضين عنه. فالرجل لم يأتِ بجديد، سوى المزيد من الإفراط بالثقة بالنفس. الجربا، الذي يرأس هيئة سياسية انقسمت على نفسها قبل ايام، والذي تبرّأت منه كبرى القوى المسلحة المعارضة، والذي تفشل القوات العسكرية المؤيدة له عن الإمساك، منفردة، بأي دسكرة سورية، لم يعد يكتفي بالكلام باسم المعارضة، ولا بلسان الشعب السوري. نطق أمس باسم المستمعين له، و«العالم الحر»، ثم العالم كله، ليعلن ان النظام السوري ميت، وان إكرام الميت دفنه. وهو لم يقدّم سوى تكرار لخطابات المعارضة بحرفيتها. الرجل العاجز عن دخول اي ارض سورية، خوفاً من المعارضين «القاعديين» وحلفائهم قبل الخوف من النظام، اعلن أمس ان (الرئيس السوري بشار) الأسد صار من الماضي.
تأخر الجربا نحو نصف ساعة عن الموعد المقرر للمؤتمر، من دون ان يبرر ذلك لمن ينتظرونه. نبرة صوته ولهجته اقرب الى أهل العراق والخليج منها الى أهل الشام. تعوزه موهبة الخطابة، وزاد طينه بلة، اضطراره الى التوقف بعد كل جملة لانتظار الترجمة الى الانكليزية. ومن سوء حظه، أيضاً، ان المترجم كثير الأخطاء، ويترجم «بتصرّف». وبسبب سوء اداء المترجم، تولى الترجمة بعد إنهاء الجربا لخطابه، احد المعارضين السوريين. في إجابته على عدد قليل من أسئلة الصحافيين، لم يتفوّه رئيس «الائتلاف» بما يمكن استخدامه كعنوان صحافي. أعاد «تسميع» العبارات التي حفظها المتابعون للشأن السوري عن ظهر قلب. بالنسبة اليه، «داعش» قريبة من النظام، وهذا «مؤكد ومعروف». في أدبيات المعارضين السوريين الذين يعيشون خارج بلادهم، الكثير من الاعتماد على «المجتمع الدولي». الجمل السحرية لقوى ١٤ آذار اللبنانية، صارت مقدسة بنظر حلفائها السوريين: أصدقاء الشعب السوري، المجتمع لدولي، المجتمعون سابقا في لندن وباريس...
على هؤلاء يستند «الائتلاف»، كضمانة لالتزام النظام بتسليم السلطة الى هيئة حكم انتقالية. قالها الجربا، لكنه لم يوضح اكثر. زميله في الائتلاف احمد رمضان يأتي بتفاصيل إضافية من الرواية «الائتلافية» في شأن مستقبل سوريا. يُطرح على رمضان سؤال عما ستفعله المعارضة اذا رفض النظام قطعاً التنازل عن السلطة في المفاوضات التي ستبدأ اليوم، فيقول ان المجتمع الدولي سيتصرف في هذه الحالة. وماذا سيفعل هذا «المجتمع»؟ يحيل رمضان سائليه على قرار مجلس الامن الدولي ٢١١٨، «الذي صدر بإجماع المجلس، ويلزم النظام بتسليم السلطة، تحت طائلة العودة الى مجلس الامن مجددا». لكن ألن يكون الفيتو الروسي والصيني في انتظار اي مشروع قرار ضد الحكم سوري؟ يجيب رمضان بثقة: «روسيا أكدت لنا انها غير متمسكة بالأسد، وموسكو دعمت النظام لكي نصل الى لحظة التسوية الحالية».
من أين يستمد الائتلاف ثقته؟ الا يرى ما يجري في الميدان السوري؟ يجيب دبلوماسي عربي شارك في المؤتمر اول من أمس بالقول: «الثقة المفرطة ذاتها ظهرت في كلام وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في سويسرا. الرجل يتصرف كما لو ان النظام السوري سقط وآن أوان تقاسم الحصص بعده».
ما يظهر في كلام الحكم السعودي وحلفائه السوريين لا يعكس بالضرورة ما يدور بين الأميركيين والروس. دبلوماسي أميركي حرص على القول لاعلاميين قبل اقل من ٢٤ ساعة: «لسنا بالضرورة متفقين مع السعودية في كل ما يخص الشأن السوري».