لم يعد الحديث عن «الناتو العربي» مجرد تسريبات أو تكهّنات. بشكل رسمي، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تسعى إلى «تشكيل تحالف إقليمي استراتيجي يساعد بلدان الشرق الأوسط على تحقيق الازدهار والاستقرار والأمن في المنطقة». إعلان يعقب جملة تحركات قادتها واشنطن في هذا السبيل، وكان آخرها الاجتماع الذي عقده قائد القيادة المركزية الأميركية، جوزيف فوتيل، برؤساء أركان دول الخليج ومصر والأردن، في الكويت، في الـ12 من أيلول/ سبتمبر الجاري. هذا الاجتماع، الذي سبقه آخر تمهيدي جمع رؤساء الأركان الخليجيين في الكويت أيضاً، رافقته «جولات دبلوماسية مكوكية» غير معلنة لنائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج، تيم ليندركينغ، بهدف وضع الأسس لقمّة الإعلان عن «الناتو العربي»، بحسب ما أفاد به ليندركينغ نفسه أمس في حوار مع صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية.

وفقاً للمسؤول، الذي كان اختاره وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون (مع الجنرال المتقاعد أنتوني زيني) مبعوثاً له إلى المنطقة لحلّ الأزمة الخليجية، فإن التحالف المزمع تشكيله سيُسمّى «ميسا» (اختصاراً لعبارة تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي)، وسيتمّ الإعلان عنه في قمّة تستضيفها الولايات المتحدة في كانون الثاني/ يناير المقبل، لكن «إذا وجدنا أن هناك حاجة إلى تغيير التواريخ، فسوف نتعاطى مع هذا الأمر بمرونة»، بحسب ما قال ليندركينغ. وعلى طريق التحضيرات المتواصلة للقمة المنتظرة، يستضيف وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، اليوم، ممثّلي دول مجلس التعاون ومصر والأردن على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف متابعة محادثات «ميسا» التي «لا تزال في مراحلها المبكرة» وفقاً لليندركينغ. أما أساس هذا التحالف، الذي تعود فكرته إلى زيارة ترامب الشهيرة إلى الرياض في أيار/ مايو 2017 بحسب ما أكد الدبلوماسي الأميركي عينه، فهو «اتفاقية أمنية واقتصادية وسياسية تربط دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة ومصر والأردن» من أجل «بناء درع قوي وصلب في وجه التهديدات» التي تتصدّر إيران قائمتها.

من ضمن أهداف «ميسا» تنسيق «عملية إدارة الصراعات»


اللافت في ما أورده ليندركينغ في هذا الإطار أمران: أولهما أنه حدّد من ضمن أهداف «ميسا» «تنسيق عملية إدارة الصراعات من سوريا وصولاً إلى اليمن»، ما يعني أنه ليس في نية الولايات المتحدة الدفع باتجاه تسويات في المناطق الملتهبة، وإنما مساعدة حلفائها على «تحسين أدائهم» بما يحقّق أهداف إدارة ترامب. وثانيهما أن ليندركينغ لم يعدّ الأزمة الخليجية عائقاً في طريق «الناتو العربي»؛ على اعتبار أنه «على المدى البعيد، وفي ظل التحالف الذي نصبو إليه، سيكون من الصعب على بلدين أو ثلاثة في التحالف خوض مواجهة من هذا النوع». ومن هنا «يمكننا مواصلة تطوير المفهوم، والعمل على بعض الأسس، إلا أنه في نهاية المطاف ينبغي لنا أن نشهد رأباً للصدع»، وفقاً للمسؤول الأميركي.
اشتغال واشنطن المحموم على مسار «الناتو العربي» توازيه استماتة في دفع حلفائها نحو تعويض النقص الذي سينجم عن العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، والتي ستدخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. في هذا الإطار، تعمل الولايات المتحدة بجدّ على حلّ الخلاف السعودي - الكويتي على حقل الخفجي النفطي المشترك بين البلدين، والذي تأمل إدارة ترامب في أن يمدّ السوق بحوالى 300 ألف برميل يومياً في حال تمّ التوصل إلى تسوية في شأنه، بحسب ما كرّر أمس وزير الطاقة الأميركي مايك بيري. وكان بيري أعلن، منتصف الشهر الجاري، عقب زيارة أمير الكويت، صباح الأحمد الجابر الصباح، إلى واشنطن، أن السعوديين والكويتيين «يعكفون على حلّ في المستقبل القريب» لأزمة حقل الخفجي المتنازع عليه.
على خط مواز، وبعدما وجّه ترامب توبيخاً غير مباشر إلى السعودية لعدم ممارستها ضغطاً كافياً على «أوبك» من أجل زيادة إنتاج النفط، قائلاً: «(إننا) ندافع عن العديد من هذه الدول من أجل لا شيء، ومن ثم يستغلوننا من خلال إعطائنا أسعار النفط المرتفعة»، بادرت السعودية في محاولة استرضاء ترامب عن طريق إعلان عملاقها النفطي (شركة أرامكو) زيادة مزمعة في الإنتاج بنحو 550 ألف برميل يومياً في الربع الأخير من العام الحالي من حقلَي خريص ومنيفة. إعلان يُتوقّع أن تعقبه خطوات إضافية مماثلة مع تأكيد الولايات المتحدة أنها لن تسحب من مخزوناتها المخصّصة لحالات الطوارئ من أجل تبديد أثر العقوبات على إيران، واطمئنانها إلى أن إمدادات الحلفاء «ستمتصّ» تلك الآثار، وفي ظلّ عدم امتلاك الأخيرين وخصوصاً السعودية حيلة للهرب من الإملاءات الأميركية.