القاهرة | خطا النظام المصري خطوة جديدة يواصل بها تأكيد النهج الاقتصادي الجديد الذي يسعى فيه إلى التخلص من الشركات الحكومية، سواء أكانت خاسرة، فتُباع دون محاولة الاستفادة منها وإعادة هيكلتها، أم رابحة، فيُطرح جزء منها في البورصة للحصول على أموال لتسد عجز الموازنة المتفاقم وسط ضغوط دولية قد تؤدي إلى نتائج سلبية تنسف الآثار التي توقعتها الحكومة من الإجراءات الاقتصادية القاسية التي تطبقها منذ بداية صرف قرض الـ12 مليار دولار من «صندوق النقد الدولي». وواضحٌ أن الحكومة لا تسعى إلى الاستفادة من الشركات التي تملكها، إذ إن قطار الخصخصة الذي انطلق في عهد نظام حسني مبارك وتوقف قبل الثورة، جراء بروز نتائجه السلبية على العاملين والاقتصاد، يعود مرة أخرى، لكن بصورة جديدة، ومرتبطة بإعادة إنشاء شركات ومصانع تتبع القوات المسلحة مباشرة، أو بالشراكة مع القطاع الخاص، لتواصل الحكومة التخلص من آخر ما بقي من ممتلكاتها.

فبعد أيام قليلة من افتتاح أكبر مصنع إسمنت في الشرق الأوسط بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزرائه، تقرر رسمياً تصفية «الشركة القومية للإسمنت»، عملاق صناعة الإسمنت على مدار عقود، وهو المصنع الذي دشنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1956، وضم وقت إنشائه 6 أفران كبيرة. وجاء قرار التصفية تحت مسمى تحول الشركة إلى جهة خاسرة على نحو كامل ولا يمكن إصلاحها، وهذا ليس دقيقاً، لأن محاولات التصفية الإجبارية للشركة التي أنشئت على أطراف القاهرة آنذاك، وباتت في منطقة حيوية للغاية بفضل التوسع العمراني، أصبحت أرضها تحت أعين الجيش الذي يرغب في السيطرة عليها وطرحها كأراضٍ سكنية ضمن مشروعات عملاقة استغلالاً لموقعها المتميز في الوقت الحالي.

استمرت الحكومة لسنوات في خسارة شركاتها عمداً أو بيعها في البورصة


قبل سنوات كانت الحكومة تعدّ لاستغلال الأرض بعد نقل الشركة إلى موقع آخر، لكن سياسات متتالية من القائمين على «القومية للإسمنت» بداية من 2014 بدأت تدخل بها في منعطف آخر هو الخسارة الكاملة التي تؤدي إلى الانهيار وليس إعادة البناء، ليصف المسؤولون عنها قرار التصفية حالياً بأنه «خطوة صحيحة اقتصادياً وبداية للإصلاح»! ووفق مصادر، تعمدت الدولة تخريب الشركة بتعيين قيادات فاسدة حاول العمال مواجهتهم ووقف خططهم الهادفة إلى زيادة الخسائر وتصفية الشركة، كما لم يحقق أحد مع أي من المسؤولين السابقين، رغم إعلان تقارير للرأي العام تحدد مسؤولية أشخاص تولوا مناصب سابقاً وارتكبوا مخالفات أضرت بالشركة وأدت إلى تحويلها إلى شركة خاسرة تأكل حقوق المساهمين فيها، بل خسرت نحو 12 مرة من قيمة رأسمالها!
ولا يبدو أن وزير قطاع الأعمال الحالي، هشام توفيق، يرغب في مغادرة منصبه سريعاً على غرار سابقيه الذين كانوا يخرجون من الحكومة مع أول تعديل بسبب رفضهم أو عجزهم عن توقيع قرارات البيع والتصفية والتسويات. لكن توفيق، الذي دخل الحكومة في حزيران/ يونيو الماضي لا يتوقف عن اتخاذ هذه القرارات على نحو شبه أسبوعي. ومن القرارات مثلاً التنازل عن أراضٍ في مناطق حيوية لمصلحة البنوك والشركات مقابل تسوية متأخرات على الشركات، والدراسات لتحديد الموقف المالي للشركات الخاسرة تمهيداً لإدخالها في شراكة مع القطاع الخاص، وصولاً إلى الموافقة على طرح حصص الشركات الرابحة في البورصة لإدخال مزيد من الأموال إلى الخزانة، لكن مع احتفاظ الدولة بالحصة الحاكمة فيها.
وتعتمد السياسة الحكومية حالياً على إنشاء الجديد ورفض الدخول في تفاصيل القديم الذي يعاني عمالة زائدة وأجوراً مبالغاً فيها لدى القيادات وأوضاع مالية مستقرة لا ترغب الحكومة في إلزام نفسها بها في المشروعات الجديدة التي يفقد العمال فيها الكثير من حقوقهم، خصوصاً في ما يتعلق بالتأمين والصحة. وبالعودة إلى شركات قطاع الأعمال، فإن الوزير توفيق يعمل حالياً على تسوية الأوضاع المالية لجميع الشركات، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العمل، سواء بنقل العمال وموافقة أوضاعهم مع النظام الجديد للتشغيل، أو الاستعانة بعمالة جديدة وبعقود تنهي المسؤولية الحكومية على الشركات التي كان من الصعب أن يتعرض فيها العامل للفصل.