ظهّرت تل أبيب في اليومين الماضيين القلق والخشية من إمكان نشوب مواجهة واسعة النطاق مع قطاع غزة. مواجهة أكدت أنها جاهزة لخوضها رغم إطلاقها تهديدات بهدف الحؤول دونها.

تولى رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير أمنه أفيغدور ليبرمان، وما دونهما من وزراء، إطلاق التهديدات والوعد بالردود القاسية، فيما استعرض الجيش الإسرائيلي قواته العسكرية، وأعلن نشر منظومات إضافية للقبة الحديدية خارج مستوطنات غلاف غزة، في إشارة عملية إلى الجاهزية والاستعداد لخوض مواجهة واسعة.
في السياق، أكدت تعليقات الإعلام العبري، التي تعكس تقديرات المؤسسة الأمنية، أن المواجهة باتت مسألة وقت لا أكثر، وهي مرتبطة بالأزمة الانسانية التي تتسبّب فيها السلطة الفلسطينية وإجراءاتها الانتقامية من حركة حماس، فيما إسرائيل تعمل على الحؤول دونها، عبر تشجيع الأطراف الإقليميين والدوليين للضغط على السلطة لتليين مواقفها ووقف اجراءاتها، ومنع دفع القطاع إلى مزيد من التأزم والضائقة الاقتصادية والاجتماعية التي تنذر بحرب مقبلة.
هي تصريحات وتهديدات وتسريبات تعيد طرح الاسئلة نفسها: هل الحرب باتت وشيكة؟ أم أن التصعيد الكلامي والتهديدات مجرد عود على بدء، وتكرار لتأزم المرحلة الماضية في انتظار تبلور حلول تسووية؟ في ذلك، يمكن الإشارة إلى الآتي:
واضح أن إسرائيل غير معنية بخوض مواجهة عسكرية مع حركة حماس والفصائل. تقدير يستند إلى معطيات صلبة، ولا تنكره تل أبيب. من ناحية إسرائيل، لا إرادة الحرب مطلوبة لذاتها وهي نتيجة ميزان قائم مع الفلسطينيين أولاً، والإدراك ثانياً بأن لا جدوى فعلية منها. في الموازاة، بات أكثر وضوحاً للجيش الإسرائيلي واستخباراته ضرورة التركيز على مواجهة تحديات وتهديدات أكثر خطورة والحاحاً في ساحات أخرى، مع سوريا ولبنان، وتحديداً بعد «النكسة» مع الجانب الروسي وتبعاتها، وكف يدها عن ملاحقة أعدائها وتنامي تهديدهم في الساحتين.
على هذه الخلفية، لا تغيير طرأ على موقف إسرائيل. وما منعها في السابق بل ودفعها إلى التراجع أمام غزة، يمنعها بشكل أكثر تأكيداً في المرحلة الحالية، سواء لمنع الحرب نفسها و/ أو لتطورات وتهديدات الساحة السورية وإمكان «انفلاتها» على دائرة تهديدات أوسع.
إلا أنّ لا إرادة الحرب ضد غزة لا تعني أنها باتت ممتنعة بالمطلق. تعقيدات المشهد الغزّاوي وعوامل ومسببات المواجهة قد تصل إلى الحد الذي لا تكفي معه إرادة الطرفين لمنع الحرب. على هذه الخلفية، تأتي تهديدات نتنياهو وما دونه، وتأكيده «الرد القاسي في مقابل أي عملية ينفذها الفلسطينيون». تصريح يشير إلى تقديرات إسرائيلية حول إمكان عودة العمليات العسكرية والأمنية ضد الجيش والمستوطنين، وعدم الاكتفاء بالأنشطة الحدودية والاحتجاجات على الشريط الحدودي، وهو ما يجر، مع تقدير كبير، مقدمات المواجهة الواسعة بين الجانبين.

لم يعد بالإمكان رفض التقديرات التي ترجّح نشوب المواجهة

واستباقياً، الواضح أن إسرائيل تعمل قبل المواجهة المقدرة بعد ارتفاع معقوليتها نسبياً على تظهير تموضع دفاعي، والتأكيد أن حربها المقبلة إن نشبت ستكون ردّ فعل لا فعلاً مبادراً إليه من قبلها. تحاول أيضاً نقل عبء التسبب في الحرب إلى السلطة، ونزاعها مع حركة حماس للسيطرة على القطاع.
وفي هذه الرواية قدر من الحقيقة. من ناحية عملية، تراجعت تل أبيب في أعقاب التصعيد الأخير أمام الحركة والفصائل، وأجبرت على قبول تقليص الحصار، وإن لم ترضَ برفعه كلياً، الا أن رئيس السلطة، محمود عباس، حال وما زال دون التنفيذ، وحرم بنتيجة موقفه استفادة الفلسطينيين من التراجع الإسرائيلي.
اللافت أنّ السلطة اشترطت لتمرير التهدئة والقبول بها ما يقرب مما تراجعت عنه إسرائيل، بل وزادت على الحصار حصاراً إلى الحدّ الذي لم يعد منتفياً أن تندفع الفصائل إلى ما لا تريده. في ذلك، قد تكون إسرائيل محقة في تقديراتها: تراجع إمكانات التهدئة بعد وصول التفاوض إلى حائط مسدود، يعني بقاء الحصار على حاله ويزيد. وهي عوامل كافية بذاتها كي تدفع الفصائل إلى التصعيد، إذ لا يبقى لدى الغزاويين من ناحية فعلية ما يخسرونه إن نشبت المواجهة الواسعة، بل قد يأملون التوصل بنتيجتها إلى واقع أفضل مما هو عليه الآن، مهما كانت قسوة المواجهة.
في ذلك، الإبقاء على الحصار وإن رافقه تهديدات واستعراض للردع من جانب اسرائيل، وكذلك محاولة إلقاء المسؤولية على السلطة وكأن إسرائيل ضحية صراع فلسطيني ــ فلسطيني، لا يلغي حقيقة أن الفلسطينيين باتوا أمام اللاخيار في الإقدام على ما هم غير معنيين به.
إن كانت إسرائيل غير راغبة ولا مصلحة لها في المواجهة أو التسبّب فيها، فعليها أن لا تكتفي بـ«التنازلات» التي أعربت وأكدتها في جولات التفاوض السابقة. عليها أن توفر كل المقدمات التي تمكن من تنفيذ التنازلات فعلياً، ومن بينها إجبار السلطة، بما لديها من أدوات ضغط، على التراجع عن موقفها العدائي لغزة.
في المحصلة، لم يعد بالإمكان رفض التقديرات التي ترجح نشوب المواجهة، مع أو من دون إرادة الطرفين في التسبب بها ابتداءَ. تقدير قائم غير نظري يزيد من معقوليته استمرار الحصار الإسرائيلي وخنق السلطة من دون أي تسوية أو حلول في الأفق.