تونس | ألقى الأمن التونسي، الثلاثاء الماضي، القبض على القيادي في «حركة نداء تونس»، برهان بسيس، المكلف في الشؤون السياسية، تنفيذاً لمذكرة توقيف قضائية، على خلفية تلقي الرجل، مخصصات مالية شهرية، من إحدى المؤسسات العمومية، خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، من دون أن يُباشر العمل فيها فعلياً. وقد كان بسيس يتلقى تلك الأموال، مقابل توليه الدفاع عن نظام بن علي، في محطات تلفزة عربية (كان آخر ظهور له في هذا الصدد ضمن برنامج «الاتجاه المعاكس» على قناة «الجزيرة» القطرية ليلة فرار الرئيس الأسبق).

وعلى رغم أنها ليست المرة الأولى التي يُسجن فيها الرجل، إذ قضى فترة سجن بعد عام 2011 لقضايا مماثلة، إلا أن الأمر هذه المرة، مختلف لأسباب عدة، أهمها، طريقة القبض عليه، التي تمت في يوم إصدار الحكم، على نحو درامي، إذ إن مذكرة التوقيف، لا تنفذ مباشرة في العادة، بل تترك مهلة أيام، يتمكن خلالها المحكوم عليه من تقديم التماس، يمكّنه من البقاء حراً حتى تفصل محكمة التعقيب في الأمر. لكن بحسب وسائل الإعلام المحلية، أوقف الرجل وهو متخفٍ، أثناء محاولته الانتقال إلى الضاحية الشمالية للعاصمة، حيث يقطن أغلب كبار السياسيين ورجال الدولة ورجال الأعمال.

أول الدعوات إلى العفو عن بسيس صدرت من نائب عن «حركة النهضة»


ومع أن أمر توقيف بسيس، لم يكن مفاجئاً في حينه، كون الرجل يُتابع قضائياً منذ أعوام، إلا أنه أثار، وما زال، الكثير من الجدل في البلاد، الأمر الذي انعكس في ردود فعل غير متوقعة من قبل مسؤولين وسياسيين، انقسموا إلى قسمين. من جهة، اعتبر مساندو رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، أن حرص الأخير على تطبيق القانون على بسيس، يأتي في إطار الحملة على مكافحة الفساد، التي أطلقها منذ أشهر، والتي أدت إلى سجن عدد من رجال الأعمال والمهربين، ووضع عدد آخر تحت الإقامة الجبرية (بناءً على قانون الطوارئ). فيما أشار عدد من المراقبين إلى «سخرية القدر»، على اعتبار أنه كان من المتاح أمام بسيس الاستفادة من مسار العدالة الانتقالية، من خلال تقديم ملف للتصالح مع الدولة عبر «هيئة الحقيقة والكرامة» الدستورية، وبالتالي حلّ القضية بالتراضي، بعيداً من المحاكم، من خلال الاعتراف بفعلته، ودفع غرامة بقيمة الأضرار التي سببها. لكن الرجل تمنّع عن ذلك، بل هاجم الهيئة وناصبها العداء، ودافع في المقابل عن قانون العفو، الذي اقترحه رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، ومرره البرلمان العام الماضي، واستفاد منه إداريون «أُجبروا» على ارتكاب تجاوزات، وليس بسيس من ضمنهم قطعاً. ما يعني، أن الرجل اختار مصيره بيده، حينما قرر التخندق في حلف سياسي، لم يدافع عنه.
من جهة أخرى، صدرت دعوات تدعو إلى العفو عن بسيس، طياً لصفحة الماضي. لكن الغريب أن من بين أول المبادرين في هذا الاتجاه، النائب عن «حركة النهضة»، القيادي العجمي الوريمي، الذي نشر تدوينة على صفحته في «فايسبوك»، أعرب فيها عن تمنياته أن يكون برهان بسيس «ومن في وضعيته، حراً لا خلف القضبان»، متمنياً على رئيس الجمهورية، تمتيعه بالعفو الرئاسي اليوم قبل الغد، وطمأنة زوجته وأبنائه، «فهناك من يدفعون فاتورة لا تتناسب مع السياق السياسي للبلاد، والعفو من شيم الكرام» كما قال.
حتى الآن، لم تصدر تعليقات عن رئيس الحكومة، الذي يٌبقي صراعاته، التي يخوضها عبر إجراءات وقرارات، في حالة صمت. لم تصدر كذلك مواقف عن رئيس الجمهورية، الذي كان بسيس يعمل لمصلحة نجله في «نداء تونس»، وربما لذلك السبب بالذات، التزم الصمت، لأن من شأن إبداء التعاطف أو إصدار عفو رئاسي خاص، جعل تهمة توظيف القانون سياسياً في جهة الباجي قائد السبسي، وليس في جهة يوسف الشاهد.