القاهرة | على رغم الانتقادات التي وجهها عبد الفتاح السيسي، بين حين وآخر، إلى محاولة نظام حسني مبارك تمهيد الطريق أمام نجله جمال للترشح لانتخابات الرئاسة، فإن السيسي نفسه لم يمنع توغّل عائلته في الدولة بنفوذ قوي، بل في أجهزة سيادية. عملياً، حصل نجل الرئيس، محمود، على ترقية استثنائية ليجري تصعيده إلى رتبة عميد في جهاز «المخابرات العامة»، وذلك عندما تولى منصب رئيس المكتب الفني لرئيس الجهاز نهاية العام الماضي، وهو المنصب الذي استحدث خصيصاً له، ليكون مشاركاً مع الرئيس الجديد لـ«العامة»، اللواء عباس كامل، في إعادة هيكلة الجهاز كلياً. كما أدخل نجل ثانٍ للرئيس يدعى حسن، وهو مهندس، ليعمل في إدارة الاتصال داخل الجهاز.

أيضاً، يتولى شقيق السيسي، المستشار أحمد سعيد، منصب نائب رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس أمناء «وحدة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب» التي تمارس دوراً مهماً في ما يتعلق بإعداد التقارير والتحريات للجهات القضائية حول مصادر التمويل. مع ذلك، لا يظهر أيٌّ من عائلة «الجنرال» في وسائل الإعلام، على رغم مناصبهم المختلفة، خصوصاً شقيقه الذي صار يتجنب الظهور في دار القضاء العالي لدواعٍ أمنية.

رجال الولاية الثانية
لم تكن الأسابيع الأولى التي أعقبت إعادة انتخاب السيسي رئيساً حتى 2022 سوى مرحلة تمهيدية لبداية مرحلة جديدة يرغب «الجنرال» فيها بالاستعانة بوجوه جديدة لاعتبارات عدة، فجاءت حركة التغييرات أكبر من التوقعات، في تأكيد أن لا أحد باقٍ في منصبه سوى الرئيس. فحتى من كانوا حوله وساندوه في أصعب المراحل تغيّرت مقاعدهم وتراجع تأثيرهم مع ظهور قيادات جديدة في جميع مؤسسات الدولة بلا استثناء، حتى على رأس وزارة الدفاع.
صحيح أن الرئيس تخلص تدريجاً من أعضاء المجلس العسكري، الذي ترأسه إبّان حكم محمد مرسي وكان قد أقر الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب وإسناد الحكم إلى رئيس المحكمة الدستورية، لكن المفاجأة الكبرى لدى القادة العسكريين كانت الإطاحة بالرجل الثاني في المجلس، أي الفريق أول صدقي صبحي، الذي أقيل في تعديل وزاري. بعد ذلك، أُسندت حقيبة الدفاع إلى الفريق أول محمد أحمد زكي الذي لا يعرف غالبية المصريين ملامحه حتى الآن، فالرجل الذي جاء من قيادة «الحرس الجمهوري» ولا يظهر إلا في حضرة الرئيس، ونادراً ما يخرج تصريح له أو يظهر منفرداً، على عكس صبحي الذي سلطت الأضواء عليه بوصفه خليفة محتملاً للسيسي من إطار العسكر، مع أنه لم يبد أي مواقف سرية أو علنية عن طموح سياسي.
وصحيح أيضاً أن صبحي خرج مكرماً بتعيينه مستشاراً عسكرياً لرئيس الجمهورية لكن هذا المنصب لا يعدو كونه خروجاً مشرفاً لوزير الدفاع الذي أمّن وأشرف على الانتخابات الرئاسية في 2014 وأوصلت السيسي إلى الحكم، خصوصاً أن الأخير استقال من منصبه وزيراً للدفاع قبل غلق باب الترشح بأيام كي يقدم أوراقه في الانتخابات الرئاسية كمواطن مدني، بسبب قواعد القوات المسلحة التي تمنع العسكريين من التصويت أو الترشح. والسيناريو نفسه تكرر مع وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار الذي وجد السيسي أن وجوده على رأس الوزارة صار يفرض نوعاً من التوغّل لرجال عبد الغفار داخل الوزارة، ما دفعه إلى إقصائه وتعيين رئيس جهاز الأمن السابق، اللواء محمود توفيق، فيما واصل الوزير الجديد إلغاء سياسات سلفه. فبوجوده أقصي عشرات القيادات وصُعّد آخرون، عبر حركة التنقلات السنوية التي اعتمدها بعد توليه المنصب بأسابيع قليلة.

تعلم السيسي من تجربة مبارك ألا تقوى بطانته أكثر من اللازم


جرأة «الجنرال» في تغيير وزيري الدفاع والداخلية مرة واحدة عبّرت بوضوح عن الطريقة التي اتبعها في التعامل مع تصعيد قيادات وإقصاء أخرى، وهي ضمان «خروج مشرف» للمطاح بهم، بإرضائهم بمناصب شرفية تمنح رواتب أعلى، فيما تم تجاهل من أبدى أدنى اعتراض، حتى لو لم يخرج هذا الاعتراض عن الدائرة المحيطة بالقصر. هذا ما حدث تماماً مع محافظ مطروح السابق، علاء أبو زيد، الذي حاول التجاوز والوصول إلى السيسي مباشرة، فما كان من اللواء كامل (مدير مكتب الرئيس آنذاك) إلا أن طلب منه البقاء في المنزل، ثم استبعد بعد هذا الموقف بشهرين تقريباً من منصبه، علماً أن أبو زيد هو مدير سابق لـ«المخابرات الحربية» في المحافظة نفسها.
لكن، ربما يكون التغيير الأكثر مفاجأة هو إقصاء كامل نفسه من منصب مدير مكتب الرئيس وإسناد المهمة إلى اللواء محسن عبد النبي. الإقصاء الذي جاء مفاجئاً وعلى عكس رغبة اللواء، كما تنقل مصادر، لكن أُسند إليه منصب وزير «المخابرات العامة»، بعد الإطاحة باللواء خالد فوزي ووضع الأخير تحت الإقامة الجبرية. تقول المصادر إن اللواء عباس، الذي جمع بين الإشراف على «العامة» وإعادة هيكلتها، وبين إدارته مكتب الرئيس شهوراً، لم يكن يرغب في الرحيل عن الاتحادية، بل قدم أسماء يمكن أن تتولى إدارة المخابرات. لكن هذه الأسماء لم تلق ترحيباً لدى السيسي الذي قرر إسناد المهمة إلى كامل وإبعاده عن الاتحادية، ليبقى في المخابرات فقط برفقة فريق عمله الذي كان يرافق السيسي منذ عمله في «الحربية» وتصعيده مديراً لها قبل أكثر من 9 سنوات.
ومع أن الرئيس أخرج عباس ومقربيه من «الاتحادية»، فإن نفوذهم ظل موجوداً في القصر حتى وقت قريب، وتحديداً إلى حين الاستعانة باللواء محسن عبد النبي ليدير فريق عمل الشؤون المعنوية بجوار الرئيس. ومحسن، الذي علم بالقرار خلال وجوده خارج البلاد، يسعى حالياً إلى انتزاع صلاحياته من عباس، خصوصاً أن الأخير بات يفرض المخابرات ورجالها في كل شيء حول السيسي، وحتى خلال الجولات الخارجية للرئيس، مع أن خالد فوزي مثلاً لم يكن يحضر غالبيتها خلال مرحلته. ووفق المصادر، السيسي ليس غاضباً من كامل لكنه أراد تغيير موازين القوى داخل «الاتحادية»، خصوصاً مع رسوخ قوة الأخير وتدخلاته في مختلف الملفات، وظهوره كأنه يتحدث باسم الرئيس، وهو ما تراجع بشدة بعد توليه المخابرات على رغم إشرافه على ملفات عدة أبرزها «منتدى شباب العالم» المقرر إقامته الشهر المقبل في شرم الشيخ.

رئيس حكومة «شكلي»
جاء تغيير رئيس الحكومة السابق، شريف إسماعيل، وتعيين المهندس مصطفى مدبولي خلفاً له متوقعاً، في ظل مرض إسماعيل الذي عين مستشاراً لرئيس الجمهورية وصار يتابع ملفات ثانوية من بينها مشروع تطوير وسط القاهرة، فيما حافظ مدبولي في منصبه الجديد على طبيعة عمله منفذاً لتعليمات الرئيس. لكن من مفاجآت التغييرات الأخرى الإطاحة برئيس «جهاز الرقابة الإدارية»، اللواء محمد عرفان، الذي لمع اسمه بقوة بعد عمليات ضبط الرشى المتعددة وقضايا الفساد في الجهاز الإداري للدولة، وذلك بطريقة مخالفة للقانون والدستور، خصوصاً أن الرجل يفترض خروجه من منصبه عام 2022. وحالياً، طلب السيسي من الرئيس الجديد للجهاز تقليل الظهور الإعلامي وألا يعلن جميع القضايا للرأي العام.
بالنظر إلى مجمل التعديلات التي شملت تغيير عدد كبير من المحافظين، فإن المؤكد أن الجنرال لم يعد يرغب في أن تكون هناك حاشية حول الرئيس معروفة بقوة نفوذها على غرار ما حدث إبان أيام مبارك، ففضل التخلص من الجميع وإرجاعهم خطوة إلى الخلف مع الحفاظ على ولائهم له شخصياً، وذلك مع إمكانية الاستعانة ببعضهم في أدوار أخرى قريباً.