لا تكفي ثلاثة أسابيع مضت على سقوط الطائرة الروسية للجزم بأسباب امتناع إسرائيل عن شنّ هجمات في الساحة السورية حتى الآن، فقد سبق أن مضت فترات أطول من دون هجمات جوية وصاروخية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تل أبيب لا تتهيّب المبادرة إلى خطوة من هذا النوع، قبل استكمال التنسيق مع الجانب الروسي، بل المؤكد أنها تتمنى وتسعى إلى أن لا تُحرج وتضطر إلى مثل هذا الخيار في هذه المرحلة. وللمفارقة، فإن تل أبيب أحوج ما تكون خلال هذه الفترة لإثبات المواقف التي يطلقها مسؤولوها حول حسمها باستمرار تلك الهجمات، رغم ما ترتّب عن إسقاط الطائرة الروسية، وهو ما يتحقق من خلال غارات جوية كتلك التي كانت تنفّذ قبل سقوط الطائرة الروسية.

في سياق متصل، يلاحظ أن إسرائيل تلتزم شبه صمت رسمي تجاه القيادة الروسية، في محاولة لعدم استفزاز موسكو بعدما اكتشفت أن أداءها السابق دفعها نحو خيارات دراماتيكية خارج توقّع المؤسسة الإسرائيلية. مع ذلك، فإن بحث بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي قضية صواريخ «اس 300»، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، يشير أيضاً إلى أرجحية أن تكون المشاورات متواصلة مع واشنطن، بعيداً عن وسائل الإعلام، تفادياً لاستفزاز موسكو، خاصة أن هذا المسار ينطوي على مخاطر تفوق قدرة إسرائيل على تحمّل تبعاتها لاحقاً، إن حصل خطأ مشابه لمقتل 15 عسكرياً روسياً.
يعكس كشف نتنياهو الذي أدلى به أمام جلسة الحكومة أمس، عن الاتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حِرص تل أبيب على مواصلة المساعي السياسية مع موسكو، من أجل التوصل إلى صيغة تنسيق تُمكِّنها من مواصلة هجماتها مع أقل قدر من المخاطرة والأضرار. لذلك، لفت إلى أنه اتفق مع بوتين على اللقاء في فترة قريبة لمواصلة التنسيق الأمني المهم بين الجيشين.
ينطوي تأكيد القادة الإسرائيليين على مواصلة الهجمات في الساحة السورية، وآخرهم كان نتنياهو أمس، على رسائل سياسية في سياق تجاذبات ما بعد سقوط الطائرة الروسية، لكنه يعكس أيضاً تصميماً وتعبيراً عن أولوية ملحّة بالنسبة إلى تل أبيب، تتصل باستمرار اعتداءاتها تحت العنوان الذي حدَّده نتنياهو أمام جلسة الحكومة: «سنعمل طوال الوقت من أجل منع التمركز العسكري الإيراني في سوريا، ومن أجل منع نقل الأسلحة القاتلة إلى حزب الله في لبنان».
رغم المكابرة التي اتسم بها أداؤها في المرحلة السابقة، من الواضح أن تل أبيب أدركت أنه لم يعد بوسعها تجاهل حقيقة أن عليها التوصل إلى تنسيق أمني يطمئن الروسي، على عكس ما حاولت في أعقاب الأزمة التي نشبت بفعل سقوط الطائرة الروسية، وإلا فإنها ستواجه قيوداً تفرض نفسها على أداء سلاح الجو الإسرائيلي. ويأمل نتنياهو تفادي ذلك من خلال اتصالاته مع بوتين والسعي للقاء به، على أمل المحافظة على هامش واسع من المبادرة والعدوان، وتجنّب التصادم مع الجيش الروسي بنحو مباشر أو غير مباشر. وهي تحاول الجمع بين التكيّف القهري مع الوقائع التي فرضها الروسي مع أقل قدر من الأضرار المعنوية، من دون التنازل عن سقف مصالح أمنها القومي.
وينبع الرهان الإسرائيلي على تحقيق صيغة تنسيق أمني تلائم الطرفين، من أن روسيا ليست معنية بتصعيد في سوريا. في المقابل، يبدو أيضاً أن هناك تقديراً روسياً بأن تل أبيب ستضطر مرغمة إلى التكيّف مع السقف الروسي، خاصة بعدما لمست نتائج تعنتها، ومحاولة تجاهل المطالب الروسية.