الخرطوم | ساعات قليلة ويكشف الرئيس السوداني عمر البشير عن «مفاجأة». ورغم أن القيادة السودانية أرادت إعطاء ما سيعلن عنه البشير مزيداً من الزخم إلاّ أن مساعد الرئيس نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، محمد إبراهيم غندور، الذي أعلن موعد تصريح البشير لمفاجأته بعد 48 ساعة، أضاف شيئاً من الواقعية على الاحتمالات التي قد يحملها الخطاب المُنتظر.


ورأى غندور أن جميع التخمينات التي تحدثت عن دفع الرئيس باستقالته وإقامة حكومة انتقالية ضرب من ضروب الخيال. وبدا أن مساعد الرئيس اختار توقيت إطلاق مثل تلك التصريحات، عبر برنامج تلفزيوني مساء السبت، ليُخفض سقف توقعات الشارع السوداني، الذي يعيش حالة من الترقب والانتظار منذ ما يربو على شهر.
فقد أوضح غندور أن خطاب الرئيس سيتضمن الكشف عن «منهج جديد يخص كافة القضايا السياسية والأمنية في إطار وطن قومي موحد»، من دون أن يتحدث عن حكومة قومية. في هذا الوقت، ازدادت تكهنات الشارع السياسي في السودان حول ما يمكن أن يطرحه الرئيس في ما يتعلق بإحداث انفراجة في الوضع السياسي المتأزم، بينما ذهب مراقبون وسياسيون إلى أن ما سيُعلنه يتمحور حول توسيع نوافذ المشاركة والحوار مع القوى المعارضة، فضلاً عن إتاحة حريات الرأي والتنظيم السياسي.
ويطلق آخرون آملاً أكبر بأن المفاجأة الكبرى ستكون في تنحّي الرئيس وحل حكومته، وتكوين حكومة انتقالية تشارك فيها كل القوى السياسية.
وربما يضعف من هذا التحليل الأخير أن الرئيس أعلن حكومته الجديدة قبل أقل من شهر ونصف الشهر، ولو كان في نيته الإعلان عن حكومة انتقالية أو قومية، لانتهز فرصة التغيير الأخير وأعلنها.
إلا أن القيادي في حزب المؤتمر الحاكم، أمين حسن عمر، تحدث عن تعديلات شاملة ومستمرة وإعادة هيكلة ستطال السياسة الخارجية والخدمة المدنية وبعض أجهزتها، وقال إن حزبه يتجه إلى تغيير السياسات.
لكنه استبعد في الوقت ذاته الإعلان عن حكومة انتقالية لإدارة البلاد في الفترة التي تسبق قيام الانتخابات، قائلاً «لا يمكن حل الحكومة الحالية لأنها حكومة مُنتَخبة».
وأضاف عمر، في حديث إلى «الأخبار»، «إن المرحلة المقبلة سينتهج فيها المؤتمر الوطني نهجاً في مكافحة الفساد.. إنه منهج مقاصدي كلي ينظر إلى بناء منظومة النزاهة العامة التي تحول دون الفساد من الأساس وتردعه قبل حصوله وتعاقب عليه بعد وقوعه». وقال القيادي السوداني: «نحن ندرك أن أي جهاز من أجهزة الخدمة العامة ليس محصّناً ضد الفساد، وإنما نحصّنه من خلال التشريعات والنظم التي تُعتَمد»، موضحاً أن وثيقة تطوير وإصلاح الحزب وسياسات الدولة ستصبح هي الرؤية المعتمدة في كل مفاصلها، خاصة في ما يتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية والخدمة المدنية.
من جهته، فسّر المحلل السياسي، أستاذ العلوم السياسية صفوت فانوس، ما يُثار بخصوص «المفاجأة» الرئاسية بأنه مجرد تخدير وحديث للاستهلاك المحلي. وقال لـ«الأخبار» إنه لا يتوقع أن تسعى حكومة المؤتمر الوطني لتشكيل حكومة قومية أو انتقالية، وذلك لعدم وجود سبب واضح يدفع «المؤتمر» للتخلي عن سيطرته على الحكم كل هذه المدة.
وأضاف فانوس أن «الذين يتحدثون عن تعرّض الحزب لضغوط خارجية، تحديداً من أميركا، فإن هذا النظام ظل يتعرض لنفس هذه الضغوط منذ عام 1989، ولكنه لم يتخلَّ عن السلطة، فلماذا الآن وما الذي جدَّ؟».
ويواصل قائلاً: «أما بالنسبة إلى الضغوطات الداخلية، فإن المعارضة أضعف من أن تضغط أو تفعل شيئاً ملموساً، لكن حديث مساعد الرئيس هو الأقرب الى الواقع، إذ لا يُعقَل أن يتم تغيير حكومة استمر التشاور حولها لستة أشهر، بعد شهرين فقط من تكوينها».
ويلمّح فانوس إلى أنه لو كان المقصود من كل هذه الضجة هو الإعلان عن موافقة حزب الأمة القومي على المشاركة، لكان على «المؤتمر» أن يقول ذلك، فالحزب الحاكم لا يطمع بأكثر من موافقة «الأمة» على المشاركة، وبذلك يكون قد ضمن مشاركة الحزبين الكبيرين معه في السلطة، ولن يهمه أن تشارك بقية الأحزاب أو لا، لأنها ليس لها أثر مثل «الأنصار» و«الختمية»، إذ لا يزالان صاحبي الجماهير الكبيرين».
غير أن مسألة الحكومة القومية تبقى غير بعيدة، في ظل دعوة أميركا المتكررة لمجلس الوزراء بضرورة استيعاب القوى السياسية في الحكم، وسعي الحكومة من جانبها لتحسين علاقتها بأميركا.
ويأتي أيضاً خبر إطلاق السلطات الأمنية صدور صحيفة «رأي الشعب»، لسان حال حزب المؤتمر الشعبي المعارض الذي يتزعمه الشيخ حسن الترابي، بعد تعليق صدورها مدة ثلاثة سنوات، لتكون إشارة إضافية إلى حدوث اتصالات بين الحكومة وأحزاب المعارضة لتهيئة الأجواء وإتاحة مناخ الحريات الصحافية بينهما قبل إعلان مفاجأة الرئيس.