منذ سقوط نظام القذافي، صارت فصائل المعارضة التشادية المسلحة، تتخذ من جنوب ليبيا الصحراوي ساحة عمل خلفية، مستفيدةً من الفراغ الأمني ووفرة الأسلحة. آخر الهجومات التي شُنّت من الأراضي الليبية كانت الشهر الماضي، حيث قامت المعارضة باستهداف إحدى مدن منطقة تيبتستي شمال التشاد. أما من الجهة الليبية، لم تستطع سلطات طرابلس ضبط الحدود، على رغم كثرة الجلسات المشتركة بين سلطات البلدين، لكن الطيران التابع لخليفة حفتر، يعمد إلى شن غارات بين الحين والآخر، على تمركزات تلك المجموعات المسلحة.

دوافع حفتر لإطلاق تلك العمليات، التي تتم بتنسيق مع السلطات التشادية، بحسب ما تظهر اللقاءات المشتركة بينهما، تتجاوز مُجرّد الحرص على حدود البلاد، فهو نفسه يُجنّد مقاتلين سودانيين معارضين، من حركة «العدل والمساواة»، بحسب ما جاء في التقرير الأخير للجنة خبراء الأمم المتحدة. الأهم بالنسبة للرجل العسكري، هو تحييد تلك المجموعات، وإحباط مشاركتها في أنشطة عسكرية داخل ليبيا، حيث صار من المعلوم الآن، مساهمتها الفاعلة في الهجوم الذي شنه الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية، إبراهيم الجضران، على منطقة الهلال النفطي، قبل خمسة أشهر.

تضييق حفتر على تحركات الفصائل التشادية نجح في منعها من شن عمليات في الداخل


يبدو أن تضييق حفتر على تحركات الفصائل التشادية، نجح في تحقيق هدفه، لكن تراجع مواردها المتأتية من تأجير بندقيتها في الصراعات الليبية، جعلها تلجأ إلى ممارسات إجرامية لتمويل عملياتها، والحفاظ على وجودها. أخيراً، ارتفعت وتيرة عمليات الاختطاف والسطو في الجنوب الليبي، إذ أصبحت تلك المجموعات تترصد العابرين عبر المناطق الصحراوية الشاسعة، ثم تسلبهم ما يحملون أو تحتجزهم، وتطالب عائلاتهم بدفع فدىً وصلت قيمتها في بعض الحالات إلى مليون دينار ليبي (نحو 720 ألف دولار أميركي). ولمواجهة هذه الممارسات، أعلن «مجلس شورى وحكماء الجفرة»، الأربعاء الماضي، «الجهاد لتحرير الجنوب الليبي» من «شرذمة من الأفارقة، يمارسون الحرابة وخطف المواطنين الليبيين». سريعاً، حمل شباب محليون السلاح، واضطرت وحدات عسكرية تتبع جيش خليفة حفتر، وأخرى موالية لحكومة طرابلس، للتوحد ضد العدو المشترك.
انطلقت المعركة في الجنوب، أول من أمس، وأسفرت، بحسب المسؤول المحلي لوزارة داخلية حكومة شرق ليبيا (غير معترف بها دولياً)، أحمد بركة، عن تحرير الرهائن، ومقتل 10 أفراد، وجرح 6 آخرين من القوة الليبية، فيما خسرت مجموعة الخاطفين، 15 مقاتلاً و3 سيارات عسكرية، ما اضطر من تبقى منها، إلى اللجوء إلى داخل الأراضي التشادية.
وفي واقع الأمر، جاء توحد قوات تتبع حفتر والسراج في مواجهة الخاطفين، بدفع من عوامل محلية، حيث تتركب تلك التشكيلات من أفراد ينتمون إلى مجموعات قبلية مشتركة. ويخفي ذلك فشلاً أمنياً، حيث من اللافت غياب «مجموعة عمليات الجنوب»، التي أسسها حفتر، بداية الشهر الماضي، ووضع على رأسها أحد أهم المقربين منه، وهو آمر «القوات الخاصة»، اللواء ونيس بوخمادة.