في الشهور القليلة التي سبقت اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ارتكبت السعودية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. شنّ التحالف الذي تقوده حرباً وحشية على اليمن، قتل خلالها آلاف المدنيين، من ضمنهم 40 طفلاً قصفت الطائرات حافلتهم المدرسية في آب/ أغسطس الماضي. كذلك سجن النظام السعودي المنشقين ورجال الأعمال ورجال الدين والصحفيين المعارضين، بالإضافة إلى أفراد من العائلة الحاكمة يشكّلون منافسة لولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد محمد بن سلمان.

لم تشعل أي من الفظائع والانتهاكات التي ارتكبتها السعودية موجات غضب واستنكار، على الأقل ليس في الدول الغربية. ظهر محمد بن سلمان، بفضل علاقاته العامة القوية، بصورة المصلح الليبرالي التقدمي المقرّب من واشنطن. وفي زيارته للولايات المتحدة، استقبله بحرارة مؤسس شركة «أمازون» وصاحب جريدة «واشنطن بوست» جيفري بيزوس، الممثل الأميركي دواين جونسون، الإعلامية أوبرا وينفري، وإمبراطور الإعلام​ روبرت مردوخ.
على ما يبدو، إن جريمة قتل خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول غيّرت كل شيء. لماذا جذب رجل لم يسمع عنه سوى عدد قليل من الناس قبل الأسبوعين الماضيين، أنظار العالم، في وقت جرى فيه تجاهل الأعمال الوحشية والبربرية التي ارتكبتها السعودية؟
مزيج من العوامل جعلت جريمة مقتل خاشقجي أكثر «جاذبية» بالنسبة إلى المشاهدين والقرّاء الأميركيين والغربيين، ابتداءً من مكان الاختفاء وزمانه، وصولاً إلى الظروف التي قُتل فيها. وفق الخبراء في الشؤون الدولية، إن التفاصيل التي قدمت إلى الرأي العام حول الجريمة والتغطية المتواصلة من قبل الإعلام، وفّرت مناخاً عاماً نادراً ما يحظى به ضحايا الحرب والعنف. فمنذ دخوله القنصلية السعودية في الثاني من الشهر الجاري، احتل خاشقجي مساحة واسعة في وسائل الإعلام الأميركية، في وقت تفاعلت فيه حكومات العالم كله مع القضية وطالبت الرياض بتوضيحات. كذلك انهار مؤتمر استثماري سعودي رفيع المستوى يضم شركات إعلامية أميركية ومستثمرين غربيين بارزين، لتتحوّل الجريمة بفضل التغطية الإعلامية المتواصلة إلى أكبر أزمة سياسية خارجية تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب. وبغضّ النظر عن الانعكاسات الجيوسياسية لمقتل خاشقجي، أثبتت التغطية الإعلامية صحة مقولة جوزيف ستالين الشهيرة: «تعتبر حالة وفاة واحدة حادثة تراجيدية، أما مليون حالة وفاة فهي إحصائية».
على الرغم من أنه لم يكن شخصاً معروفاً على نطاق واسع، فإن انتقاله إلى الولايات المتحدة وعلاقاته مع السياسيين والإعلاميين في الوسط السياسي، يضاف إلى ذلك كتاباته في «واشنطن بوست»، شكّلت جميعها عوامل ميّزته عن ضحايا النظام السعودي الآخرين. «تتكرر حالات العنف الوحشي في السعودية، لكن هويات ضحايا هذه الممارسات تبقى مجهولة»، يقول المدير التنفيذي لـمشروع «ديموقراطية الشرق الأوسط» ستيفن ماكنيرني، مضيفاً أن «جمال لم يكن مجهولاً. كان صحفياً يكتب لواشنطن بوست، الأمر الذي أعطاه شخصية محددة... ساهمت في أنسنة قضيته». كذلك أشار مدير المنظمة السياسية، ومقرها واشنطن، إلى أهمية مكان حدوث الجريمة، مشيراً إلى أن مقتل الصحافي خارج حدود المملكة ساهم في انتشار الحادثة وكشف تفاصيلها.
في الواقع، إن الحكومة التركية هي المصدر الرئيسي للتسريبات المتعلقة بالجريمة، وبالتالي فإنها تقدم مادة دسمة للتغطية الصحفية، ومع كل معلومة جديدة تعيد إحياء القضية في وسائل الإعلام العالمية. «ما يُكشَف عنه وحشي لدرجة أصبحت الجريمة شبيهة بأفلام الرعب» أكّدت مديرة مكتب «هيومن رايتس ووتش» في واشنطن، سارة مارغون. من جهته، رأى المدير التنفيذي لـ«لجنة حماية الصحفيين» جويل سايمون، أن تفاصيل الجريمة حوّلت قضية خاشقجي إلى «واحدة من أكثر عمليات القتل الصحفية إجراماً»، مشيراً إلى أن «هذا النوع من الوحشية تمارسه عادةً الجماعات الإرهابية، لا جهات رسمية في الدولة».
«الكثير من النزاعات حول العالم تُرتكب فيها انتهاكات وحشية، وغالباً ما تواجه بعبارة: الحرب هي الحرب»، تقول مارغون، مضيفة: «ولكن عندما يقتل شخص واحد بهذه الطريقة، تلازمك (تلتصق بك؟) قصته لأنك تفهمها».
(عن «واشنطن بوست» الأميركية)