منذ انتشار خبر اختفاء جمال خاشقحي، الصحافي السعودي المقرب من الاستخبارات سابقاً، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، في الـ2 من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، استنفر الذباب الإلكتروني السعودي، بقيادة المستشار المُقال من منصبه في الديوان الملكي، سعود القحطاني - رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني - واتهم خطيبة خاشقجي التركية، وقناة «الجزيرة» ودولة قطر، بالمسؤولية عن ذلك، نافياً أي تهمة عن نفسه، أو بالنتيجة، عن السعودية.

لقد تمثّلت التغطية الإعلامية الرسمية، عبر صحيفة «عكاظ»، التي تُعد الأشد حماسة في التعبير عن وجهة النظر الرسمية والدفاع عنها. حتى أن الصحافي السعودي عبد العزيز الخميس (إعلامي شبه حكومي) دعا الصحف إلى الاقتداء بـ«عكاظ»: «يا جماعة... لماذا عكاظ في المعركة... بقوة... وبصراحة ووضوح وشجاعة... تخلوا عن جمودكم المهني... قاتلوا في سبيل الحقيقة الوطنية»، هذا بالإضافة إلى بقية الصحف والقنوات والمغردين، التي تحشدت في الهجوم المضاد، في محاولة للتضليل ونفي اتهام القتل. ولا يبدو أنه كان مفاجئاً إصرارُ الإعلام - المحسوب على الدولة - على نفي أنَّ خاشقجي لم يخرج من القنصلية، وقد أكد ذلك ولي العهد نفسه، في تصريح لوكالة «بلومبيرغ» الأميركية، وكان هناك إصرار شديد على خروجه.
يظهر هنا، أن الصحافي المغدور لم يكن مرتاحاً لأمر دخوله القنصلية، فكان تكتيكه الذكي بالتنسيق مع خطيبته بهدف حماية نفسه. وقد كان من حسن حظه، أنه كاتب عمود أسبوعي لدى صحيفة «واشنطن بوست»، لأن الورطة التي وقع فيها القتلة، لم تشبه تلك التي تمرر عبر الإعلام الغربي والعربي من دون محاسبة؛ وبعد مرور ما يزيد على أسبوعين، تبنت الدولة على مستوى القيادة العليا، أن الرجل بالفعل قد قتل في القنصلية! وهذا التبني، سيضر بمصداقية ما سيصدر من الدولة، سواء بعنوان مصدر مسؤول أو سفارة أو وزارة أو قيادة، وسيكون المجال واسعاً للتشكيك في ما سيصدر من الجهات الرسمية لاحقاً، سواءً في قضايا داخلية أو خارجية، كما كانت الحال بالنسبة للأتراك، الذين شددوا بإصرار، على أن خاشقجي لم يخرج من القنصلية، وأن الرجل قد توفي أو - بحسب التسريبات - قتل.

تفتح القضية الباب أمام التساؤل حول ما يحصل في سجون المملكة


هذا الأمر سينعكس على سمعة الدولة ومصداقيتها بقوة في المدى القريب، ما قد يؤثر في استجابة الموظفين لأي أمر سيصدر من الحكومة، لأنه قد يستشعر أنه سيكون ضحية تبعات ما يوكل إليه من مهام، حيث أنها - أي الدولة – قد لا تكون مستعدة للدفاع عنه، بعد تنفيذه للأوامر. أما على المستوى الشعبي، فمن الواضح أنه كانت هناك صدمة لدى المواطنين في العموم، لأنهم على مدى أسبوعين، كانوا يستمعون إلى النفي تلو النفي، عن أن خاشقجي قد توفي في القنصلية، وأن كل ما يقال في المملكة، هو من الأكاذيب والبهتان، وتم تحشيدهم وتخوين من لم يشارك في الحملة الحكومية الداعمة، بدعوى أن المقصود وراء قضية خاشقجي هو تشويه الوطن - الوطن الذي هو الحكومة لدى هؤلاء. فإذا بالمواطنين يُصعقون بإعلان رسمي يصحح ما قيل سابقاً في مسألة خاشقجي، ويغيّر الرواية جذرياً، ولذلك سيسري الشك لدى المواطنين حول مصداقية البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة، خصوصاً وهم يعرفون أن الدولة تُدار بطريقة مركزية للغاية، وأنه من غير المعقول أن يتصرف مسؤولها بشكلٍ ارتجالي أو من تلقاء أنفسهم. لذلك، فإن الأمر سيحتاج إلى جهد مضاعف لترميم الثقة من قبل الحكومة السعودية، ومن غير الواضح، إن كانت الحكومة ستتبع نهج الحكومات السابقة، في ضخ الأموال في السوق، كوسيلة إلهاء وإرضاء، وهي منهكة مالياً، أم أنها ستسلك سبيلاً آخر للحفاظ على الشرعية.
والملاحظ هنا أولاً، أن رواية الحكومة السعودية في البيان الرسمي، تؤكد أن الرجل قد قُتل عن غير قصد، وهذا يعني، أن الوفاة لم تكن قتلاً، بل كانت قضاءً وقدراً، وأنها «حادثةٌ» لا جناية. لافتٌ هنا، أن جريدة «الشرق الأوسط» حين غرّدت برواية الحكومة عن قتل خاشقجي في شجار، أعقبت ذلك بنقل خبر عن فرنسيين تشاجروا، فمات أحدهما بشكلٍ «غير مقصود» شبيه بحالة خاشقجي.
ثانياً: هذا يعني بالضرورة عدم إنزال عقوبة الإعدام في حق الفاعلين، لأن ذلك إن حصل فسيسبب أضراراً لسمعة الحكومة في الداخل - بين مواليها أولاً - وفي الخارج، لأنها ستكون متهمة إما بالتواطؤ مع المذنبين، أو بالتراخي في تطبيق القانون.
ثالثاً: أن هذا قد يفتح باباً من التساؤل الواسع حول ما يحصل في السجون داخل المملكة السعودية في حق المعارضين، وبالخصوص من أصحاب الرأي، والذين يُقال إن بعضهم قد توفي تحت التعذيب، وهو ما يتطلب عقوبة شرعية لم يتم إنزالها، ما سيفسح المجال أمام مقارنات محرجة للدولة.
رابعاً، يُقاس على هذا ما يحصل في اليمن، حيث أقرت الدولة بارتكاب أخطاء أدت إلى مقتل أبرياء، وهي مع ذلك، لم تتخذ إجراءات (معلنة) في حق الفاعلين؛ وهو واقعٌ وسيضيف رصيداً وحججاً لمناوئي المملكة السعودية، ممن استفادوا من قضية الصحافي خاشقجي استفادةً كبيرةً... لذلك، فإننا أمام مستقبل مليء بالمفاجآت.
* كاتب عربي