عمان | على مدار أشهر نشطت مطالبات شعبية لتسلّط الضوء على الباقورة شمالاً والغمر جنوباً، وهما منطقتان يرتفع فيهما العلم الأردني لكن من فيهما إسرائيليون مع أن الإشراف عليهما خاضع للقوات المسلحة الأردنية. ولم تكن المطالبات باستعادة هاتين المنطقتين من باب النضال ببعده الاستراتيجي، بل لاستغلال فرصة قرب انتهاء المدة المخصصة للوجود الإسرائيلي فيهما وفق معاهدة وادي عربة، إذ تنتهي المدة المحددة لإخطار أي الطرفين بتوقف العمل بالملاحق الخاصة بالمنطقتين يوم الخميس المقبل (25/11/2018)، أي قبل يوم واحد من الذكرى الرابعة والعشرين لتوقيع المعاهدة، وإلا من المقرر أن يمدد العمل بهذه الملاحق تلقائياً لـ25 عاماً أخرى. المفاجأة كانت بتغريدة من الملك عبد الله الثاني أمس أعلن فيها رسمياً «إنهاء ملحقي الباقورة والغمر من اتفاقية السلام انطلاقاً من حرصنا على اتخاذ كل ما يلزم من أجل الأردن والأردنيين».

وتعيد هذه الواقعة النقاش حول «السلام» السلس الذي ربط الأردن بإسرائيل على مدار 24 عاماً، لم تفلح فيها المطالبات الحزبية والنقابية والهيئات الشعبية بإسقاط معاهدة «وادي عربة» التي كانت محبوكة بدقة لمصلحة الجانب الإسرائيلي، بل عزلت الأردن عن حاضنته العربية، كأن الصراع العربي - الإسرائيلي لم يعد يشمل المملكة. إذ وفقاً لطروحات «وادي عربة»، هي تشكّل تسوية «نزاع» بين عمان وتل أبيب فقط بغض النظر عن ارتباط الأولى بالأرض العربية الفلسطينية المحتلة. مع ذلك، وفي ظل الحديث عن «صفقة القرن»، تراجع أي ملف شائك بين طرفي المعاهدة مثل ملف المياه، إذ هناك مديونية أردنية مائية لإسرائيل، كما لم تثر المادة الثامنة من المعاهدة حفيظة أحد لطرح موضوع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، لكن جراء عامل الوقت صادف أن يكون هذا العام الموعد الأخير لإلغاء العمل بالملحق 1 (ب) الخاص بمنطقة الباقورة، والملحق 1 (ج) الخاص بالغمر.

نتنياهو: سنشرع في مفاوضات لتجديد الاتفاق حول استئجار الأراضي الأردنية


تقول الرواية الأردنية الرسمية إن مساحة الباقورة 820 دونماً، وهي تقع شرق نقطة التقاء نهر الأردن مع نهر اليرموك، داخل أراضي المملكة، وقد احتلتها إسرائيل عام 1950، واستعادتها عمان جراء اتفاقية التسوية في 1994. أما مساحة الغمر، فهي 4235 دونماً، وتقع في منطقة وادي عربة، وقد احتلتها إسرائيل بين 1968-1970، واستعيدت بموجب الاتفاق نفسه، وهي أراضٍ مملوكة لخزينة الدولة. وتصف «وادي عربة» الوجود الإسرائيلي في الباقورة بأنه تحت السيادة الأردنية وعلى أساس اعتراف طرفي المعاهدة بحقوق ملكية أراضٍ خاصة ومصالح مملوكة إسرائيلية (المتصرفون في الأرض)، فقد كانت هذه المنطقة ضمن أراضٍ خصصتها الحكومة الأردنية عام 1928 لــ«شركة كهرباء فلسطين محدودة الضمان» مقابل مبلغ مالي محدد، وهي شركة مسجّلة لدى «إمارة شرق الأردن آنذاك/ نظارة العدليّة»، من أجل إقامة «مشروع روتنبيرغ» لتوليد الكهرباء، ثم آلت ملكية الأرض إلى أشخاص حملوا الجنسية الإسرائيلية بعد إعلان إسرائيل عام 1948.
هذا كله يخضع للرواية الرسمية، علماً أن رئيس الوزراء خلال توقيع «وادي عربة»، عبد السلام المجالي، صرّح مرات عدة بأن «ملكية الباقورة لليهود»، بل أفاد قبل أيام بأن الحكومة قد تلجأ إلى شرائها أو مبادلتها على سبيل المثال. أما في شأن الغمر، فاعترف الطرفان بحقوق استعمال إسرائيلية خاصة تتعلق بالأرض (مستعملي الأرض)، فيما قال المجالي إن الإسرائيليين استأذنوا من الأردن للاستمرار باستخدامها لأغراض بحثية علمية وزراعية، وتركها بعد 25 عاماً (أي العام المقبل). لكن، بعد تغريدة الملك أمس (وهو المخوّل توقيع الاتفاقات والمعاهدات وفق الدستور)، سلمت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية نظيرتها الإسرائيلية مذكرتين أبلغت عبرهما تل أبيب قرار المملكة إنهاء الملحقين الخاصين بالباقورة والغمر.
وقوبلت خطوة الملك بترحيب كبير من كل المستويات، خصوصاً أنها جاءت في وقت يُكسِب عبد الله دفعة شعبية بعد أن عصفت بالقصر إشاعات مسّت الأسرة المالكة، كما رأى كثيرون هذه الخطوة «رد اعتبار» بعد حادثة السفارة في تموز/ يوليو 2017، حين استقبل نتنياهو قاتل مواطنين أردنيين بعد خروجه من المملكة برفقة السفيرة الإسرائيلية لدى عمّان آنذاك. مع هذا، لا يمثل الإخطار الأردني لإسرائيل خطوة حاسمة، لأنه وفق المادة السادسة في الملحق والملحق 1(ج)، فإنه في حال إخطار أي طرف الآخرَ نيتَه إنهاء العمل بهذه الملاحق قبل سنة من انتهاء المدة (25 سنة)، يدخل الطرفان في «مشاورات». وبالعودة إلى بنود المعاهدة، تشير المادة 29 المعنونة بـ«حل النزاعات» إلى أن الحل أو التفسير يكون بالتفاوض، وأن «أي منازعات لا يمكن حلها بالتفاوض ستحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم».
في المقابل، قال رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إنه سيشرع في مفاوضات مع الأردن من أجل تجديد الاتفاق حول تأجير الأراضي في تلك المنطقتين، شارحاً أن المملكة «حافظت في اتفاق السلام على حقها باسترجاع الأراضي في المنطقة القريبة من نهر الأردن، وقد أبلغنا رسمياً اليوم (أمس) بأنها تريد تنفيذ حقها في العام الـ25 لتوقيع الاتفاق». واستغل نتنياهو الموقف ليجدد أن الاتفاق «ذخر إستراتيجي مهم للدولتين، وينضم إلى اتفاق السلام الموقع مع مصر، ويشكلان معاً محوراً رئيسياً في الاستقرار الإقليمي».