تمثل «كتيبة ثوار طرابلس» واحدة من بين أكبر أربع ميليشيات طرابلسية أدت دوراً محورياً خلال الحرب الأخيرة في العاصمة الليبية. لكن المواجهات التي قادتها الكتيبة، ضمن تحالف «قوة حماية طرابلس»، جرت بغياب أهم قياديين لها، هما هيثم التاجوري وهاشم بشر. لم يعتد الرجلان الظهور علانية كثيراً، وهو أمر ينسحب على جميع قادة الميليشيات الليبية تقريباً، لكن التاجوري تحديداً، كان له حضور مهم عبر صفحته في «فيسبوك»، وقد كانت آخر منشوراته إعلانه العودة، برفقة بشر، إلى طرابلس من رحلة حج، ثم توعد مهاجمي العاصمة بأنه سيفتح جميع مخازن السلاح «من الألف إلى الياء» لصدهم، في نهاية شهر آب/أغسطس الماضي.

منذ ذلك الحين، لم يظهر أيّ من الرجلين، وبدأت الشكوك والتساؤلات في حينها عن سبب عدم عودتهما إلى ليبيا كما أعلنا. ومع الوقت، بدأت تلك «الشائعات» تُثبت صحتها، إذ لم يظهر بشر أو التاجوري خلال أهم معركة عرفتها العاصمة منذ أربعة أعوام، وكان من الممكن أن تؤدي إلى القضاء على نفوذ، أو حتى وجود كتيبتهما، تاركين مهمة قيادة الحرب للرجل الثالث في المجموعة، جلال الورشفاني.
في الأثناء، ومن دون ضوضاء، كانت حكومة «الوفاق الوطني» المتركزة في طرابلس، برئاسة فائز السراج، تقود جهوداً ديبلوماسية لمعرفة مصير الرجلين. أرسل وزير خارجية الحكومة، عبر القائم بأعمال سفارتها في أبو ظبي، استفساراً إلى السلطات الإماراتية، في الـ 23 من الشهر الماضي، حول «وضع الإخوة المعلومين لديكم والمنقطع الاتصال بهما»، وذلك نتيجة «الضغوطات الاجتماعية من أهالي المعلومين، وأعيان منطقتي تاجوراء وسوق الجمعة (ضاحيتان شرق العاصمة)». وبعد يومين، اتصل فائز السراج بنائب رئيس مجلس الوزراء، وزير داخلية الإماراتية، سيف بن زايد آل نهيان. وبحسب الوثيقة المسربة، ردّ الأخير كان نفي «وجود أي تحفظات حيال المعلومين»، وأن «إقامتهما على أراضي دولة الإمارات، جاءت بطلب منهما، وبمحض إرادتهما، وباستطاعتهما مغادرتها وقت رغبتهما».

اتصل السراج بالإماراتيين للاستفسار عن مصير التاجوري وبشر


تثبت الوثيقة زيف الرد الإماراتي، حيث يوجد تناقض بين إقامة بشر والتاجوري «بمحض إرادتهما»، وبين ما أشار إليه السراج من انقطاع الاتصال بهما، والضغوط النابعة من أهلهما وأعيان منطقتهما. وأكدت مصادر ليبية لـ«الأخبار» أن عملية الاحتجاز «كانت مرتبة منذ البداية بين السعودية والإمارات، حيث مُنحا فيزا للحج قبل أن يُوقع بهما». في مقابل ذلك، توجد رواية أخرى أيضاً، تقول إن الرجلين اختارا اللجوء إلى الإمارات، التي توجد لهما فيها مصالح مالية، خوفاً من سقوط العاصمة في يد الميليشيات المُهاجمة، القادمة أساساً من مدينة ترهونة. لكن الرواية الأولى تبقى أكثر رجاحة، لكونها تُفسر سر عدم اتصالهما بعائلاتهما وبقية قيادات الكتيبة، وهو عُنصر تقفز عليه رواية اللجوء الاختياري.
أياً يكن الأمر، يبقَ القاسم المشترك بين الروايتين، ملائمتهما لبرامج خليفة حفتر، حليف الإمارات في ليبيا، الذي تحدث في خضم معركة طرابلس عن استعداده للسماح لقادة ميليشيات طرابلس الخروج من البلاد، والاحتفاظ بما حصّلوه من أموال، على ألّا يعودا إلى ليبيا قبل عقد على الأقل.
عاد هيثم التاجوري من الإمارات قبل أيام، من دون أن يتضح مصير هاشم بشر بعد. إذ أظهرت صور متداولة استقبال التاجوري من قبل بعض أنصاره، وهو يلبس ثوباً إماراتياً تقليدياً، وبدت عليه علامات الوهن والتعب، وهي إشارة أُخرى إلى ضعف احتمال لجوئه الاختياري إلى الإمارات. لكن حتى الآن، لم تصدر عن الرجل تصريحات أو توضيحات بشأن ما حصل معه خلال الشهر ونصف الشهر الماضي، علماً أن ذلك سيظهر في ما ستتركه تلك الفترة من أثر على نشاطاته المقبلة، سواء على مستوى تحالفاته العسكرية، أو ارتباطاته السياسية.