لم تقدّم آخر التصريحات والتسريبات الصادرة عن تركيا مؤشراً حاسماً على ما سيخرج به رجب طيب أردوغان. لكن الاحتمال الواقع ما بين طرفَي النقيض، هو أن يضعّف الرئيس التركي رواية السعودية من دون أن يذهب إلى اتهامات «خطيرة» تسدّ طريق «المفاوضات». ولعلّ ذلك هو ما تراهن عليه إدارة دونالد ترامب، التي جدّدت أمس تمسكها بالعلاقة مع السعودية، مؤكدة أن مصالحها مُقدّمة على أي شيء آخر.

تتّجه الأنظار اليوم إلى تركيا، حيث يُفترض أن يصدر رئيسها، رجب طيب أردوغان، موقف بلاده الرسمي من قضية مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، بعد طول صمت كسرته تسريبات وسائل الإعلام التركية وتصريحات وجوه حزب «العدالة والتنمية» الحاكم. تسريبات وتصريحات استمرّت حتى يوم أمس، مع اتّسامها بنبرة تصعيدية وإرسالها تلميحات إلى أن أنقرة قد تنزع الطابع العَرَضي الذي ألصقته الرواية السعودية بالجريمة، وقد تربط أيضاً بين الأخيرة وبين مستوى من المسؤولية أعلى من ذلك الذي روّجت له الرياض. لكنها، من وجهة نظر أخرى، قد لا تعدو كونها مجرّد أداة من أدوات الضغوط التي بدا ـــ منذ اندلاع الأزمة ـــ أن تركيا تمارسها على السعودية، ووسيلة إحراج تشهرها بوجه الولايات المتحدة بهدف انتزاع مكاسب. وبمعزل عمّا سيرسو عليه الموقف التركي، فإن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لا تزال تبتعد عن إلزام نفسها بترتيب أي عواقب على الجريمة، مؤكدة أن مصالحها تعلو على أي اعتبار.
وقال ترامب، مساء أمس، إنه «غير راضٍ» عن الرواية السعودية بشأن مقتل خاشقجي، لكنه لا يريد «خسارة كل هذا الاستثمار الذي حدث في بلادنا». موقفٌ كان قد سبقه إليه صهره وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، عندما شدّد، في حديث إلى شبكة «سي أن أن»، على ضرورة أن «يوازن البيت الأبيض بين تداعيات مقتل خاشقجي والمصالح المشتركة التي تجمعنا مع المملكة»، لافتاً إلى أن واشنطن لا تزال في مرحلة «تقصّي الحقائق»، مضيفاً أنه نصح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بأن يكون «شفافاً للغاية، فالعالم يراقب، وهذا اتهام خطير جداً، وموقف صعب للغاية». وأعلن ترامب، من جهته، أنه أجرى محادثات هاتفية مع ابن سلمان، كاشفاً أن السعوديين طلبوا مهلة شهر لـ«استكمال التحقيق»، لكنه أبلغهم أنه «لا يوجد داعٍ لذلك»، مؤكداً «(أننا) سنعرف الكثير خلال اليومين المقبلين». جزمٌ يشي بأن الرئيس الأميركي مطمئن إلى أن ما سيخرج من المقلب التركي لن يخالف توجّهه إلى تبرئة ابن سلمان من القضية، وضمان استمراريته على رأس ولاية العهد.

حثّت ألمانيا دول الاتحاد الأوروبي على اتخاذ موقف موحّد بمنع الأسلحة عن الرياض


لكن ذلك التوجّه لم يبدُ سالكاً في أنقرة أمس، حيث انتشرت تسريبات وخرجت تصريحات تشدّد على أن الجريمة كان «مُخططاً لها»، ما ينسف الحديث السعودي عن أنها وقعت خلال شجار، وتربط ضمنياً بين الحادثة وولي العهد السعودي. وذكرت صحيفة «يني شفق» التركية أن العقيد ماهر المطرب، المتّهم الرئيس في الجريمة، اتصل أربع مرات متتالية بمدير مكتب ابن سلمان، بدر العساكر، وذلك أثناء وجوده في القنصلية عقب وقوع عملية القتل. وعبر الصحيفة نفسها، شكّك مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، في الرواية السعودية، معتبراً أنها «لا تفسّر أياً من جوانب الواقعة»، وأنه «جرى تلفيقها على عجل»، قائلاً: «(إنك) كلما فكرت في الأمر تشعر بأن هناك من يهزأ بمخابراتنا». وفي الاتجاه نفسه، وصف المتحدث باسم «العدالة والتنمية»، عمر جليك، مقتل خاشقجي بأنه «جريمة معقدة خُطِّط لها بوحشية»، رافضاً الحديث عن مفاوضات بين تركيا والسعودية بهذا الشأن، مُشدداً على أن الوصول إلى الحقيقة «مسؤوليتنا». وعلى رغم النبرة الحادّة التي اتّسمت بها تلك المواقف، إلا أنها لا تعطي مؤشراً جازماً على ما يمكن أن يدلي به أردوغان اليوم، خصوصاً أن الاتصالات بين الجانبين التركي والأميركي ـــ أقلّها المُعلَنة ـــ استمرّت حتى وقت متأخر من مساء الأحد. وبناءً عليه، ثمة احتمالات ثلاثة: إما أن يمهّد أردوغان الطريق لإتمام «تفاهم» تركي ـــ سعودي ـــ أميركي، عبر تقديم تفاصيل تسند الرواية السعودية، خصوصاً إذا ما صحّ حديث «رويترز» مساء أمس عن أن بحوزة أردوغان تسجيلاً يثبت أن المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني هو من أشرف على عملية تعذيب خاشقجي وقتله، وإما أن يقدّم شهادة متكاملة تنسف رواية الرياض من أساسها، مع ما يعنيه الأمر من تصعيد. وإما أن يمسك العصا من منتصفها عبر الامتناع عن توجيه اتهامات مباشرة، وفي الوقت نفسه مضاعفة علامات الاستفهام المحيطة بولي العهد السعودي، فسحاً في المجال أمام مزيد من «المفاوضات» التي لن يكون مضموناً نجاحها.
هذا الاحتمال الأخير من شأنه فتح الأزمة على سيناريو استطالة وتصاعد تزايدت، أمس، المعطيات المؤشّرة عليه. إذ تواصلت في الولايات المتحدة المطالبات بفرض عقوبات على السعودية، فيما استمرت المواقف الأوروبية المُشكّكة في بيان الاعتراف السعودي، والداعية إلى تجميد الصفقات مع الرياض. وحثّ وزير الاقتصاد الألماني، بيتر ألتماير، دول الاتحاد الأوروبي على أن تحذو حذو بلاده في وقف تصدير الأسلحة إلى المملكة، مُشدداً على ضرورة «التوصل إلى موقف أوروبي مشترك»، معتبراً أنه «لن يكون هناك تأثير على الرياض إلا إذا كانت جميع الدول الأوروبية متفقة». دعوة ردّ عليها وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بأن «أي ردّ سيأتي بعد التأكد من الحقيقة»، وهو ما وافقه عليه أيضاً وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، الذي رأى أن «أي رد بريطاني يتطلّب انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق»، لافتاً إلى أن «الزعم بأن خاشقجي مات في مشاجرة لا يرقى إلى تفسير معقول». على المقلب الأميركي، سُجّلت تصريحات جديدة لمشرّعين في الكونغرس تندّد بالجريمة، وتذهب إلى أن السعوديين «تركوا ترامب وحلفاءه في الكونغرس في مأزق رهيب، وقدموا لإيران هدية مجانية»، على حدّ تعبير السيناتور عن «الحزب الجمهوري» ماكرو روبيو. وعلى رغم تعالي الأصوات المناهضة للرياض داخل مجلسَي الشيوخ والنواب، إلا أن واشنطن جدّدت، أمس، على لسان وزير الخزانة، ستيفن منوتشين، الذي التقى ولي العهد السعودي في الرياض، تمسكها بـ«الشراكة الاستراتيجية السعودية الأميركية، والدور المستقبلي لهذه الشراكة وفق رؤية المملكة 2030».