خيّمت ظلال جريمة قتل جمال خاشقجي بقوة على مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض، الذي ترافق افتتاحه، أمس، مع خطاب للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أكد فيه أن الجريمة كانت مدبَّرة. في يومه الأول، لم يبدُ المؤتمر في نسخته الثانية، كأحد أهم محاور «رؤية 2030» التي طرحها ولي العهد محمد بن سلمان. بدا، بالنظر إلى كمِّ الحاضرين ونوعيتهم، وحجم الصفقات والمشاريع التي خرج بها، مقارنة بالمؤتمر الأول العام الماضي، كما لو أنه حدثٌ من نوع آخر.

لم تصمد محاولات الرياض في «ترميم» صورة «مستقبل الاستثمار» أمام عدسات الكاميرات داخل قاعة المؤتمر، في فندق «ريتز كارلتون» في الرياض، السيّئ الصيت. لم يتجاوز الحضور 150 شخصاً في قاعة الاجتماعات الرئيسية المعدة لاستقبال أضعافهم، بعد أن كانت قد شملت العام الماضي آلاف الشخصيات الرائدة والمؤثرة في عالم الأعمال، بل إن بعض الحاضرين، انسحبوا من قاعة المؤتمر، أثناء انعقاده، أمس، بحسب ما أكد مراسل وكالة «بلومبيرغ» بتغريدة في «تويتر»، مرفقة بمقطع مصور، أظهر قاعة المؤتمر كما لو أنها مهجورة.
صفة «العالمية»، التي يروّج لها السعوديون للمؤتمر، بدت منزوعة في صفة المتحدثين وطبيعة الكلمات في اليوم الأول. اثنان منهم من «أهل البيت» السعودي، هما الرئيس التنفيذي لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، ياسر الرميان، الذي ألقى الكلمة الترحيبية، من دون ذكر خاشقجي، وسيدة الأعمال السعودية، لبنى العليان، التي أعلنت أن قتله كان «غريباً» على القيم السعودية. أما الثالث، فكان المدير العام لـ«صندوق مبادلة»، خلدون المبارك، من الجارة الإمارات، والرابع رئيس «صندوق الاستثمار المباشر» الروسي، كيريل ديميترييف، الذي أعلن في حديث إلى قناة «روسيا 24»، أن السعودية قد تستثمر نحو 5 مليارات دولار، في مشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي. وكان من بين الكلمات، واحدة لرئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، طلب فيها قروضاً من صندوق النقد الدولي، و«الدول الصديقة»، لإعادة خدمة الدين، ودعم اقتصاد بلاده. ومن المنتظر أن يُلقي راعي المؤتمر، محمد بن سلمان، كلمته اليوم، بعد أن وصل أمس، في ساعة متأخرة من النهار، حيث كان مشغولاً في أخذ الصور مع اثنين من أفراد عائلة خاشقجي، أحدهما ابنه صلاح، في صورة تركت لغة العيون تتحدث عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه اعتبر أن المؤتمر «عظيم»، وأن هناك «مزيداً من الناس ومزيداً من المال».
أجندة المتحدثين، عُدلت خلال الأيام العشرة الأخيرة، إثر انسحاب أكثر من 100 متحدث، شاركوا في مؤتمر العام الماضي، من بينهم وأهمهم، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، ماسايوشي سون الذي انسحب أمس، بعد أن كان حضوره للمؤتمر العام الماضي قد أضفى نوعاً من «الصدقية» على جهود ابن سلمان لجذب الاستثمارات، ما دفع مدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان إلى ذكر الأخير خلال كلمته في المؤتمر، مذكراً بأن صندوق الثروة السيادي استثمر في 50 أو 60 شركة عبر «صندوق رؤية» التابع لمجموعة «سوفت بنك» باستثمار بلغ 45 مليار دولار، وأنه سيجلب معظم تلك الشركات إلى السعودية.
أما الصفقات التي أبرمت هذا العام، حتى أمس، البالغة 50 مليار دولار، فلم تتجاوز صفقات قطاع التقنية فقط في مؤتمر العام الماضي، حين أُعلنت مشاريع بأكثر من نصف تريليون دولار، من ضمنها «نيوم»، الأكبر في تاريخ المملكة، بل إن بعض تلك الصفقات، البالغ عددها 25، كانت «مجرد زيادة تدريجية» للصفقات السابقة، بحسب ما أوضحت وكالة «بلومبيرغ». وأشارت إلى أنّ العديد من الاتفاقيات التي وُقِّعَت كانت عبارة عن «مذكرات تفاهم» وليست قرارات استثمارية نهائية، في محاولة لـ«استعادة الثقة» إلى قادة الأعمال الدوليين.
وبخلاف المؤتمر الأول، انحصرت معظم الصفقات أمس في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية، التي استحوذت شركة النفط الحكومية العملاقة «أرامكو»، على أكثر من نصفها، بأكثر من 30 مليار دولار. لعل أهمها، صفقة مع «توتال» الفرنسية لإنتاج النفط والغاز، التي قال رئيسها التنفيذي، باتريك بويان، أمس، إنها بصدد إعلان شبكة تجزئة في السعودية مع «أرامكو»، بالإضافة إلى شركة «هيونداي» للصناعات الثقيلة الكورية الجنوبية، ومجموعة «نورينكو» الصينية.