بعد أشهر قليلة من صعوده إلى العرش، ترأس الملك سلمان جلسة لمجلس الوزراء سيكون لها تأثير عميق على مستقبل السعودية والطريقة التي ينظر بها كبار المصرفيين في العالم إلى المملكة المحافظة. ومع ذلك، فإن القرار الذي اتُخِذ داخل قصر اليمامة ذلك اليوم، لم يحظ باهتمام كبير سواء داخل البلد أو خارجه. في ختام بيان مؤلف من 1400 كلمة، نجد أن صندوق الاستثمارات العامة سيقدّم التقارير إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي أنشئ حديثاً بقرار من الملك، بدلاً من وزارة المالية، وأن رئيس المجلس ولي العهد محمد بن سلمان، سيترأس كذلك صندوق الاستثمارات العامة.

شكّلت الجلسة التي عُقدت في آذار/ مارس 2015، أول مؤشر على التحولات المرتقبة في المملكة وانعكاس واضح لطموحات ولي العهد والنفوذ المالي الذي سيكتسبه ابن الملك في المستقبل القريب. كما كانت بمثابة بداية التحول الجذري للصندوق من شركة قابضة مملوكة للدولة إلى ما يمكن وصفه بأكثر عجلة استثمارية سيادية ناشطة في العالم، يشبهها البعض بـ«دولة موازية».
في السنوات الثلاث التي أعقبت القرار، ضخ الصندوق عشرات المليارات من الدولارات في الداخل والخارج، فاستثمر في عدد من الشركات مثل «أوبر» و«ماجيك ليب»، وفي مشاريع مع شركة «سوفت بنك» التي تعمل في مجال الاستثمار في قطاع التكنولوجيا وشركة «بلاكستون» الأميركية للاستثمار المباشر في مشاريع البنية التحتية في الولايات المتحدة. وقررت الإدارة الجديدة برئاسة محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، رفع أصول الصندوق إلى 600 مليار دولار بحلول عام 2020، وكل ذلك في إطار المساعي الرامية لتنشيط الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط.
(...)
ولكن الفضيحة التي أثارها مقتل الصحافي جمال خاشقجي، جعلت الصندوق عرضة للخطر وباتت تهدد بسقوط الهالة التي أحاطت به. وسط تقارير مروعة عن مقتل الصحافي، أصبح الصندوق مثالاً صارخاً على الضرر الاقتصادي المحتمل للمملكة، التي تواجه أكبر أزمة دبلوماسية مع الغرب منذ هجمات «11 سبتمبر» على الولايات المتحدة في 2001.
يحاول الصندوق جاهداً إنقاذ مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» وسط انسحابات بالجملة من المؤتمر المنظم برعاية ولي العهد. خلافاً لهذا العام، تدفق كبار المسؤولين الماليين والمديرين التنفيذيين في العالم إلى مؤتمر «دافوس الصحراء» الاقتصادي، العام الماضي. إلا أن قضية خاشقجي، وفق مسؤول اقتصادي، «لا يمكن غض النظر عنها... سترتبط باسم محمد بن سلمان إلى الأبد».
«إنها نكسة كبيرة لاستراتيجية الصندوق المبنية على العمل المشترك مع المستثمرين الأجانب والمشاريع المشتركة داخل المملكة»، تقول الباحثة في معهد دول الخليج العربي في واشنطن كارين يونغ، مضيفة: «قد تحاول الرياض التراجع عن بعض الإجراءات المالية المؤلمة التي اتخذتها في سياق الخطة الإصلاحية». «قللت السوق من خطورة التحديات السياسية وغير السياسية التي تواجهها السعودية منذ بعض الوقت. وقد أدت الأحداث الأخيرة إلى تصاعد الحديث عن التهديد الذي تشكله هذه التحديات بالنسبة للاقتصاديين، لا سيما مع اتخاذ الشركات الدولية موقفاً صارماً في أعقاب حادثة خاشقجي»، يشير مستشار استثماري في «صندوق الاستثمار الخليجي» جوبين خوسيه، مضيفاً أن الحادثة «لا تساعد على التنويع الاقتصادي، خصوصاً أن الرؤية تعتمد بشكل رئيسي على إشراك القطاع الخاص وجذب التمويل الأجنبي».
دخل النمو في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى حالة من الجمود في أعقاب تراجع أسعار النفط الخام في 2014، لتسقط البلاد في فخ الركود الاقتصادي في 2017. ارتفعت البطالة إلى 12.9 في المئة في الأشهر الثلاث الأولى من العام الحالي، وفق الأرقام الرسمية، وهي النسبة الأعلى في تاريخ البلاد. ففي بلد ثلثا سكانه دون الـ29 من العمر، يزيد معدل البطالة بين جيل الشباب على 25 في المئة، في حين يتضاعف الرقم بالنسبة للنساء. هذا الوضع الاقتصادي المتدهور كان الباب الذي دخل منه ابن سلمان إلى قلوب الشباب السعودي، فوعد بتحويل جذري للاقتصاد وبناء مجتمع أكثر تسامحاً. في 2016، أطلقت الرياض «برنامج التحول الوطني» الذي قيل إنه سيخلق أكثر من 450 ألف وظيفة في القطاعات غير الحكومية بحلول عام 2020.
(...)
لكن بعيداً من الصفقات الضخمة والترويج الإعلامي المحيط بالصندوق منذ استيلاء محمد بن سلمان عليه، كانت هناك مؤشرات متزايدة على أن الخطة الاقتصادية تعاني تحت وطأة الضغوطات. تمّ تجميد الطرح العام الأولي الذي طال انتظاره لشركة أرامكو، في حين يبدو أن برنامج الخصخصة المحلي بشكل عام قد توقف. في المقابل، تظهر الدولة وكأنها، عبر هذا الصندوق، ترسّخ هيمنتها على الاقتصاد، في حين تراجع نمو العديد من شركات القطاع الخاص التي كانت تمثل في 2017، 48 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وفرض تعريفات جديدة على العمال الأجانب. وفي هذا السياق، نستذكر كيف حوّل ولي العهد فندق «ريتز كارلتون» لمركز احتجاز للمسؤولين السعوديين الذين أُوقفوا في «قضايا فساد». ولكن في ظل بيئة استبدادية على نحو متزايد، ووسط اعتقالات بالجملة طاولت الناشطين والأكاديميين والمدونين ورجال الدين، لا نجد أي نقاش جدّي في الداخل السعودي حول خطط الأمير محمد ودور صندوق الاستثمارات العامة.
(...)
وعلى رغم الضجة التي أحدثها الأمير الشاب ورؤيته الاقتصادية، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة من 7.45 مليار دولار في 2016 إلى 1.42 مليار دولار العام الماضي، وفق أرقام الأمم المتحدة. واليوم، يشكّل مقتل خاشقجي تحدياً حقيقياً للاستثمارات في الداخل السعودي، يؤكد أحد المصرفيين.
(عن «فاينانشال تايمز»)