لأشهر طويلة، اختفت أخبار اللواء نجمي الناكوع و«الحرس الرئاسي»، بعد فترة زخم شملت تسليحه وتعزيزه بعناصر وتشكيلات عسكرية. مردُّ ذلك الغياب، هو الهجمة التي تعرض لها الجهاز من قبل ميليشيات طرابلس، التي جرَّدت عناصره من أسلحتها، واحتلت مواقعها في مناسبات عدة، حتى وصل الأمر إلى اقتحام منزل الناكوع نفسه، وشنّ حملة عليه تتهمه بالفساد واستغلال وظيفته، لتعيين أفراد من عائلته في مواقع حساسة. وقد أدت هذه الإجراءات دوراً مهماً في الهجوم الذي شنه «اللواء السابع مشاة» على العاصمة الليبية، قبل نحو شهرين، استهدافاً للميليشيات التي أطلق عليها وصف «دواعش المال العام»، لكون اللواء كان جزءاً من «الحرس الرئاسي».

كان الناكوع وجهازه في حكم العدم، ولم يكن تغيير رأسه، أمس، مفاجئاً. ورغم ارتباط إقالته بالانطلاق في تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة، لكن الأمر كان يختمر منذ مدة. مع انتهاء حرب طرابلس الأخيرة بصفة رسمية، أي عند توقيع اتفاق مدينة الزاوية، أصدر رئيس «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني»، فائز السراج، في الـ 27 من أيلول/ سبتمبر الماضي، قراراً لم يحظَ باهتمام كافٍ. إذ قرّر الرجل، بصفته القائد الأعلى للجيش، إدخال تغييرات على بنية «المجلس الرئاسي»، فتخلى عن الألوية التي قرّر تشكيلها سابقاً، وحصر تركيبته في وحدات قتالية وفنية وكتيبة أمن، وحصر مهماتها في تأمينه هو وبقية أعضاء المجلس، وكبار زوار الدولة والأنشطة التي يشارك فيها هؤلاء.
وفي سياق بسط الترتيبات الأمنية، أمر السراج، أمس، بإزالة موقع «أجاويد»، وهو مقر يتبع «كتيبة ثوار طرابلس»، ويقع في منطقة مهمة داخل العاصمة، خلف السفارة الإيطالية، وقد أظهرت صور نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، جرافات وهي بصدد إزالة السواتر المحيطة بالمكان. في واقع الأمر، مثل إخلاء المقر المذكور، وغيره من مقار الكتيبة، نقطة سجال بين آمرها هيثم التاجوري، وعدد من قياداتها. فبعد عودته قبل أيام من الإمارات، حيث كان محتجزاً لما يقارب شهرين (أُطلق سراحهُ بعد تدخل السراج)، أبلغ التاجوري رفاقه بضرورة إفراغ مقارّهم، لكنّ بعضاً منهم، على غرار محمد البكباك، رفضوا الأمر، فأرسل لهم زعيمهم قوات مسلحة أجبرتهم على مغادرة المقارّ.
علاوة على ذلك، تستمر أعمال هدم «الكلية العسكرية للبنات» في طرابلس، التي كانت تتخذها كتيبة «النواصي» مقراً لها. جاء ذلك بعد إصدار السراج مهلة لإخلاء المكان. وتعتبر «النواصي» من بين أكبر الميليشيات في العاصمة، وتسيطر على مواقع مهمة في شمالها، حيث أغلب مقارّ المؤسسات السياسية الحاكمة.

بين إيطاليا ومصر، تشهد ليبيا مسارين متوازيين لتوحيد البلاد عسكرياً وسياسياً


يضاف إلى ما سبق، المجهودات السابقة للحد من نفوذ «قوة الردع الخاصة»، وهي ميليشيا تتبنى فكر السلفية المدخلية (نسبة إلى الشيخ السعودي ربيع المدخلي)، من خلال إطلاق عدد من المحتجين من دون سند قانوني في سجن «معيتيقة»، الذي تشرف عليه، والتراجع عن بعض الصلاحيات الأمنية الموكلة لها. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن فائز السراج، مدعوماً من بعثة الأمم المتحدة، وسلاح العقوبات الدولية الذي تملكه، قطع شوطاً مهماً في تحجيم دور الميليشيات الطرابلسية، تمهيداً للهدف النهائي، وهو تعويضها بقوات شرطية وعسكرية نظامية.

لا انتخابات هذا العام
على عكس التصور السائد، بأن ليبيا تشهد حالة «فوضى معممة»، تستمر مؤسسات مهمة في العمل على نحو شبه طبيعي، منها «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات». وإذا ما استثنينا المناطق الواقعة تحت سيطرة المشير خليفة حفتر، في شرق البلاد أساساً وفي جنوبها بدرجة أقل، التي يجري فيها دورياً تكليف حكام عسكريين، تشهد المجالس البلدية في بقية البلاد انتخابات منتظمة. لكن العقدة تكمن في المستويات المؤسساتية العليا، أي البرلمان والرئاسة. ولحل هذه المشكلة، تولدت عن «اتفاق الصخيرات» للمصالحة السياسية نهاية عام 2015، مؤسستان جديدتان، هما «المجلس الرئاسي» الذي يُشرف على عمل «حكومة الوفاق الوطني»، و«المجلس الأعلى للدولة»، الذي يمثل أعلى هيئة استشارية في البلاد، ويعمل في طرابلس. مع ذلك، لم ينجح البرلمان المتركز في شرق البلاد، الذي وقّع عدد كبير من أعضائه على الاتفاق، في منح الثقة للحكومة الجديدة، كما لم تعترف الأخيرة بسلطة حفتر العسكرية.
وبعد مسار شاق من المفاوضات، عُقد نهاية آذار/ مايو «مؤتمر باريس 2»، بحضور أغلب الفرقاء. ورغم رفض المشاركين التوقيع على اتفاق نهائي، انتهى الأمر بإصدار خريطة طريق تقضي بتولي البرلمان تحضير القاعدة الدستورية والقانونية، لعقد انتخابات في الـ12 من كانون الأول/ديسمبر هذا العام. وباختصار، لم ينجح البرلمان في أداء دوره كما يجب، كذلك زادت حرب طرابلس الأخيرة من تعقيد الأوضاع.
اليوم، تشهد ليبيا مساران متوازيان لتوحيد البلاد عسكرياً وسياسياً، يجري الأول في القاهرة، وقد انتهت اجتماعاته الأسبوع الماضي، باتفاق على توحيد الجيش تحت سلطة حفتر، مع خلق مؤسسات قيادية جديدة، ونفى لاحقاً «المجلس الرئاسي» موافقته على ذلك. أما المسار الثاني، الأكثر جدية، فتعمل عليه إيطاليا منذ أشهر، وسينتهي بعقد قمة حوار جديدة في عاصمة جزيرة صقلية، باليرمو، يومي 12 و13 من الشهر المقبل.
تأمل إيطاليا عبر هذا الحدث المرتقب، استعادة المبادرة في ليبيا، بعد فترة تراجع استغلتها فرنسا، عبر استدعاء أكبر عدد ممكن من الفاعلين السياسيين والعسكريين، محلياً ودولياً. وقال رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي، الاثنين الماضي، إنه توصل إلى قناعة مشتركة مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مفادها أن «التفكير بإمكانية إجراء انتخابات في ليبيا، في كانون الأول/ديسمبر المقبل، أملٌ غير حكيم». أما وزير الخارجية الإيطالية، إينزو موافيرو ميلانيزي، فقد أشار إلى سعي بلاده لإشراك روسيا وأميركا على نحو فاعل في «قمة باليرمو». وتناسقاً مع موقف رئيس حكومته، أبقى ميلانيزي توقعاته واقعية، فلم يتحدث خلال مداخلة ضمن أعمال «المنتدى عبر الأطلسي حول روسيا»، عن «حل نهائي»، بل اكتفى بالقول: «إن استطعنا إحراز تقدم ما، نكون قد قدمنا إسهاماً كبيراً لليبيّين وللمجتمع الدولي».