إسطنبول | لم يدل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خطابه أول من أمس، بأي إشارات إلى الشريط الصوتي الذي سرّبت صحف عديدة على لسان مسؤولين أتراك أنه يثبت كيف تم قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وتفاصيل أخرى. جاء الخطاب محبطاً لجهات موالية ومناصرة ومتعاطفة مع الدور التركي في العالم العربي، لكن أصداء الخطاب في الأوساط التركية كانت «مريحة جداً». تقدر أوساط مقرّبة من الرئاسة التركية أن تسريب المعلومات بشأن القضية سيستمر لكن بوتيرة أخف، وبمعلومات أقل حساسية، بما سيسمح لجذوة القضية وأصدائها دولياً وعالمياً بالانخفاض شيئاً فشيئاً، وسيبقى الأمر مرتبطاً بمدى استجابة السعوديين للتفاهمات التي يجري رسمها بين الطرفين، حيث تبدي السعودية أخيراً «تجاوباً جيداً».

وكان السبب الرئيسي الذي بث «الارتياح» في الأوساط التركية ذات العلاقة، أن الرئيس أردوغان لم يقم بمواجهة مباشرة مع السعودية، إذ يقدر أطراف أن «لا فائدة منتظرة من صدام من هذا النوع»، بل إن الرئيس حاول في خطابه تحييد ولي العهد محمد بن سلمان، الذي سعى لمواجهة تركيا منذ توليه منصبه. وهو ما اعتبرته الأوساط النقطة الأهم، كونها قد تؤدي إلى عزله عن مجريات أهم قضية تواجهها المملكة حالياً، وإتاحة الفرصة للأطراف الذين لا يعتبرون تركيا عدواً للتقدم داخل القصر الملكي. ورغم أن الأوساط التركية لا تتوقع سقوطاً لابن سلمان إثر قضية خاشقجي، فإنها تتوقع أن القضية من شأنها أن تكبّل خطواته وتشوّه صورته التي أراد لها أن تكون براقة في العالم.
وتتوقع تلك الأوساط أن صفقة مجدية لتركيا ومرضية لجميع الأطراف قد تكون نقطة النهاية لقضية خاشقجي. لكن المصادر ترفض التسريبات التي نقلتها وسائل إعلام عربية كثيرة عن أن أنقرة قد رفضت صفقة طرحها الأمير السعودي خالد الفيصل، خلال زيارته البلاد قبيل خطاب أردوغان. ونفت أوساط تركية عديدة أن الصفقة المفترضة التي حملها الفيصل شملت بنداً يقضي بإنهاء حصار قطر. ولدى طرح «الأخبار» الأمر على مصدر مقرّب من الرئاسة التركية، أجاب باستهزاء: «هذا هراء، ما بالنا وبال قطر؟! وما شأن قطر أصلاً في القضية، كل ما لقطر علاقة به في هذه القضية هو وسائل إعلامها، إذا أرادت الرياض إخراس تلك الوسائل عن الحديث حول القضية، فإنها بالطبع ستتوجه لتفاوض الدوحة وليس أنقرة». وعلمت «الأخبار» أن العرض الذي تقدم به خالد الفيصل يتضمن تسويات سياسية في قضايا عديدة، بالإضافة إلى تسويات اقتصادية، على رأسها تسوية وضع شركة «ترك تيليكوم» للاتصالات في قضية ديونها العالقة، والتي تمثل عبئاً كبيراً على الاقتصاد التركي. وأفاد مصدر «الأخبار» بأن العرض تضمّن أيضاً بنداً يقضي بتخفيف وتيرة الهجوم الإعلامي السعودي المتواصل على تركيا، وخصوصاً من قناة «العربية»، لكن المصدر لم يؤكد أو ينفي تضمن العرض بنوداً متعلقة بالوضع القائم في سوريا.

تتوقع المصادر التركية أن تستمر التسريبات بوتيرة أخف


يقول متابعون إن خطاب أردوغان يوضح أن تركيا ستستمر في ممارسة الضغط على السعوديين في تصعيد دراماتيكي في صراع «القوى السنية» الإقليمي الحالي، بين التكتل التركي (تركيا وقطر و«الإخوان»)، ضد تكتل السعودية (السعودية والإمارات ومصر والبحرين). ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «مرمرة» في اسطنبول، بهلول أوزكان، أن «التكتل الأول، ومع أنه يستمد قوته من الشعب، إلا أنه متصدّع ويعاني من تشققات كبيرة، حيث لا تأثير كبيراً للإخوان في بلادهم، بالإضافة إلى كمّ الأزمات التي تواجهها تركيا حالياً إلى جانب حصار قطر». ويتابع أوزكان: «التكتل الآخر يُحكم بشكل أوتوقراطي ويشعر بتهديد شديد من النموذج التركي». ويعتبر أوزكان أن التنافس بين الكتلتين اندلع في العلن عندما أطاح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس محمد مرسي، مرشح «الإخوان» المنتخب في عام 2013. ويقدر أوزكان أن أردوغان المقتنع بأن ولي عهد الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد، صاحب دور رئيسي في تمويل الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو 2016 لإطاحته، يحاول أيضاً التأثير على الهوى السياسي السعودي وجرّ السعودية إلى معاداة تركيا من خلال محمد بن سلمان الذي يعتبر ابن زايد الملهم الرئيسي له.
وتقدّر أوساط تركية أن امتناع أردوغان عن مواجهة ابن سلمان علانية، علاوة على أنها جاءت لتحييده، وتكبيل تحركاته، فإنها أيضاً عملت على تشتيت ابن سلمان وجعله يفكر في الأدلة الإضافية التي يمكن أن تكون بحوزة تركيا في القضية، وبذلك تكون تركيا المتحكم الرئيسي في القضية إعلامياً، تخفف من حدتها متى شاءت، وتجعلها القضية الأبرز أيضاً متى أرادت. جاء خطاب أردوغان في الوقت الذي وصلت فيه مديرة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل، إلى أنقرة، لبحث أدلة تركيا. ويهدف وصولها إلى الإشارة إلى أن إدارة ترامب تأخذ الاتهامات التي يتم توجيهها بشكل غير مباشر ضد ولي العهد السعودي، «شريك» ترامب، على محمل الجد. وأثار اجتماع وزير الخزانة ستيف منوشين مع ولي العهد السعودي، عشية عقد منتدى «مستقبل الاستثمار»، الذي تمت مقاطعته من قبل رجال الأعمال والسياسيين العالميين، الكثير من الدهشة. وبالفعل، فإن توكيل هاسبل مع القيصر الاستخباري التركي حقان فيدان، يمكن أن يكون أسلوب وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) في دعم محاولات البيت الأبيض حماية ابن سلمان. وبحسب أوزكان: «هناك الكثير من المناورات مستمرة، ولكن من حيث الرسائل الإعلامية، فإن تركيا لديها اليد العليا بلا شك».