في زيارة قد تكون الأخيرة لستيفان دي ميستورا إلى دمشق بصفته المبعوث الأممي إلى سوريا، لم يخرج أمس عن الديبلوماسي الأممي ـــــ حتى آخر تشرين الثاني المقبل ـــــ ما يدل أنه سمع تطمينات من دمشق حول قبولها الصيغة الأخيرة لتشكيلة «الثلث الثالث» في «اللجنة الدستورية»، أي حصّة المستقلين وممثلي المجتمع المدني وآخرين من غير السياسيين. ومن المنتظر أن يحمل دي ميستورا ما حصّله في هذه الزيارة وباقي المشاورات التي أجراها إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، قبل أن يعود وينهمك في اجتماعات مرتقبة مع كل من ممثلي «الدول الضامنة» لمسار «أستانا» وأعضاء «المجموعة المصغّرة»، في جنيف. المبعوث الأممي كان قد ساق في إحاطته الماضية أمام أعضاء مجلس الأمن، ما يؤكد من منظوره ولاية الجانب الأممي على تسمية أعضاء «الثلث الثالث» وفق مقتضى مخرجات «مؤتمر سوتشي» والمشاورات الروسية ـــــ الأممية في فيينا، والتي سبقت عقد ذلك المؤتمر. ولفت بوضوح إلى أن دمشق تعترض على عدة نقاط في شأن التشكيلة التي اختارها فريقه «بعناية»، وكذلك موسكو وطهران. موقف الحكومة السورية الذي خرج أمس عقب لقاء دي ميستورا مع وزير الخارجية وليد المعلّم، ركّز على فكرة مركزية، هي أن «الدستور وكلّ ما يتصل به هو شأن سيادي» يقرره الشعب السوري بنفسه «من دون أي تدخل خارجي». إذ أكد المعلّم أن بلاده «تعاطت بكل إيجابية» مع مخرجات «مؤتمر سوتشي» ومع عملية «تشكيل لجنة مناقشة الدستور الحالي»، مضيفاً أن إطلاق عمل هذه اللجنة يجب أن يراعي «الالتزام القوي بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها أرضاً وشعباً... وأن الشعب السوري هو صاحب الحق الحصري في تقرير مستقبل بلاده». وخلص إلى أن «كل هذه العملية يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية».

ويمكن القول إن ما خرج عن اللقاء يشير بوضوح إلى أن دمشق ما زالت تعترض على آلية تشكيل «الثلث الثالث»، وعلى طرح «دستور جديد»، مصرّة على أن ما يجب أن يتم هو بحث الدستور الحالي. ولم يرشح ما قد يدل أن دي ميستورا خرج بوعود حكومية بتيسير إطلاق عمل اللجنة قبل مغادرة منصبه في أواخر تشرين الثاني المقبل. غير أن ذلك قد يتضحّ أكثر في الإحاطة المنتظرة منه أمام مجلس الأمن، خصوصاً أن مكتب المبعوث الأممي أكد أنه سيتابع «اتصالاته المكثفة» لبحث احتمال تشكيل «اللجنة الدستورية». الأكيد أن مقاربتي دمشق ودي ميستورا لملف «اللجنة الدستورية»، تتفارقان في شكل كبير، لا سيما أن بحث الديبلوماسي الإيطالي عن تحقيق إنجاز قبل مغادرته مهامه، لا يلقى حفاوة لدى الجانب الحكومي، الذي عبّر في غير مناسبة عن نظرته السلبية تجاه «انحياز» الفريق الأممي نحو الطرف المعارض، ورضوخه لضغوط من أطراف دولية. وبينما تراهن دمشق على المناخ الإيجابي الذي فرضته الجولات السياسية والميدانية الماضية، والذي غيّر مقاربات بعض الدول تجاهها، فإنها قد لا ترى ضرورة في إهداء دي ميستورا «نصراً» في ملف «اللجنة الدستورية» يمكن تجييره لاحقاً إلى خليفته في هذه المهمة؛ خصوصاً أن إجراءات بناء الثقة مع الوافد الجديد إلى الساحة، سوف تأخذ وقتاً وجهداً كبيرين.
وفي موازاة الحراك الأخير لدي ميستورا، قال وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف، عقب لقائه نواب وزراء خارجية «الدول الضامنة» إنه يجب إنهاء اختيار المرشحين إلى عضوية «اللجنة الدستورية» في أقرب وقت ممكن، وبشكل «مقبول لدى كل الأطراف السورية»، ووفق مقررات سوتشي والقرار الأممي «2254». ولفت لافروف إلى أن الاجتماع «الرئاسي» المقبل وفق صيغة «أستانا» سوف يعقد في روسيا. ووفق المعلومات المتوافرة، فإن دي ميستورا قد يكون مدعوّاً إليه في حال عقد قبل نهاية الشهر المقبل. كذلك، أكدت وزارة الخارجية أن اجتماع نواب الوزراء الثلاثي في موسكو أول من أمس، قد خرج بتوافق على «تسريع» الجهود المبذولة لحل الأزمة، وجاء ذلك في موازاة تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، من روسيا بعد لقائه الرئيس فلاديمير بوتين، أنه جرى التفاهم على «توسيع أعمال التنسيق حول سوريا». وعلى رغم عمومية تصريح بولتون، فإن أوساطاً روسية تتحدث عن احتمال التفاهم حول مستقبل وجود القوات الأميركية في التنف من بوابة الاتفاق على مصير مخيم الركبان، وسط إحياء طرح رفضته دمشق مسبقاً، بإجلاء الموجودين فيه نحو إدلب.
ومن جهة أخرى ينتظر أن يرافق وزير الدفاع سيرغي شويغو، وفد بلاده إلى القمة الرباعية (تجمع رؤساء تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا وتعقد السبت المقبل) في إسطنبول، على أن يلتقي نظيره التركي خلوصي أكار، لنقاش التفاصيل الخاصة بتنفيذ «اتفاق سوتشي» في محيط إدلب. وأكد أكار في حديث صحافي أمس «انسحاب قسم من المتطرفين والأسلحة الثقيلة» من المنطقة «منزوعة السلاح»، مشيراً إلى أن «انتهاك وقف إطلاق النار في المنطقة انخفض بنسبة 90 في المئة». وقال إن بلاده وروسيا توصلتا لتفاهم حول إنشاء مركز لتنسيق التحركات المشتركة بين العناصر العسكرية للطرفين، ولضمان استمرار وقف إطلاق النار. وبعد تصريحات روسية، خففت من سقف التفاهمات المنتظرة في القمة، سوف تركز الأطراف على نقاش ملفي اللاجئين وإعادة الإعمار بعمق أكبر. فالملفان اللذان بادرت روسيا إلى طرحهما دولياً، لقيا اهتمام أطراف عدة، وبخاصة ألمانيا. إذ تنحى الأخيرة نحو القبول بفكرة المساعدة على تأمين ظروف مناسبة لعودة اللاجئين، بوجود أرقام كبيرة منهم على أراضيها ممن أبدوا رغبة أولية في ذلك. غير أن الضغط الأميركي من جهة، واشتراط دمشق تنشيط العلاقة الرسمية السياسية للتعاون في بقية المجالات، قد يحدّان من اندفاع برلين.